ترى هل تكفي صور مبثوثة على شاشات التلفزة المخزنية لتدشين موسمي لدخول مدرسي لإخفاء عوار منظومة تربوية خربها المخربون بسياساتهم الارتجالية كما خربوا مختلف مجالات تدبير الشأن العام منذ أمد بعيد. هل يكفي أن نري الناس على الشاشة المصونة أطفالا صغارا حشدوا ليرددوا نشيدا وطنيا يظهر من نشاز نغمات أصواتهم أنهم لا يحفظون منه إلا المقدمة الطللية والخاتمة المخزنية الثلاثية، هل بقدرتنا بذلك أن نوهم الناس اننا بصدد إنشاء مواطنين صالحين (لنا طبعا)؟ هل تكفى صور منتقاة لفصل دراسي بعدد محدود من المتعلمين لنخفي حقائق الاكتظاظ الفظيع الذي تعرفه فصولنا الدراسية والذي يحول دون ممارسة تدريسية سليمة؟ هل بوسع صورة معلم ومعلمة انتزعت منهما ابتسامتهما أمام كاميرا مشتعلة لنكتم حقائق الوضع المتردي للشغيلة التعليمية؟ وهل بوسع محافظ وأدوات تكشف الأيام رداءتها وانعدام جودتها أن تبعد عنا شبح موقف التسول يقفه المتعلم منذ الصغر ليترسخ في ذهنه انه مدين في تعليمه لمنحة مخزنية كما هي مختلف المنح التي يهبها لنا الحاكم تفضلا وتكرما على الرعية الوفية؟ هل بمقدور الصور المصنوعة للمدرسة الأنيقة ذات الجدران المصبوغة والكراسي الجديدة أن تمحو من الذهن المدرسة /الواقع ،المدرسة المهترئة التي لا تبهج نظرة ولا تمسك قطرة؟ ثم هل باستطاعة هذه البهرجة المفبركة الملمعة لمختلف واجهات (موسم) الدخول المدرسي أن تزيل ما ران على جوهر المنظومة من سياسات التغريب والتمييع والتجريب والتخريب؟ هل يعتقد العطارون المصورون المزورون أن مساحيق منحهم وأوهام صورهم ستصلح سنوات وسنوات من التدبير السيء لقطاع يعده العقلاء الحياة والمستقبل والاستثمار المربح؟ إنه الخبال والوبال أن نعمي على حقائق فظائع المنظومة التربوية بإخراج تلفزي لصور هي أقرب حالا إلى صور الكاميرا الخفية المفتقدة لأي إبداع أو ابتكار لسبب بسيط هو أن صور التلفزة الخيالية تمحوها وقائع المدرسة الحقيقية فتكون ككلام الليل الذي يمكنه ضوء النهار الساطع. حقائق المدرسة المغربية: يكشف تاريخ إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب أننا لم نستطع أن نجد بعد أكثر من خمسين سنة على هذا الذي سمي استقلالا للتعليم بوصلة تحدد وجهته وتقود حركته وذلك بسبب غياب تصور واضح لما نريده من هذا التعليم ولما نريده بهذا المتعلم. لم يكن تعليمنا قط شأنا مجتمعيا يبدي فيه المجتمع الرأي ويناقش فيه التصورات ويتشاور في قضاياه،إنما كان في كل مراحله شأنا خاصا للحاكم يملي فيه على النخبة المغربة المقربة ما يملى عليه من دوائر الاستكبار العالمي. ما امتلك واضعو البرامج والمناهج قط فلسفة تربوية تستجيب لهوية الشعب ولحاجياته المعرفية والوجدانية والمهارية،إنما كنا دائماً أمام خليط من التعليمات والتوجيهات التي لا يدري حتى من وضعها ماهيتها ولا كينونتها. كان إنفاقنا على العلم وعلى البحث العلمي وعلى تطوير العلوم هزيلا لا يمثل شيئا أمام الملايير التي يبذرها الشياطين على مهرجانات العري والعهر،وبروتوكولات الطاعة والولاء. لم تكن لنا من الخطط إلا ماكان مرتجلا مستعجلا،ومن التدبير إلا ماكان انهماكا في تسيير اليومي الآني الحالي، ومن الحكامة إلا ماكان إسنادا لغير أهله وتقديما لمن لا أهلية له. كانت النتيجة التي لا تستطيع صور الكاميرا المشتعلة مهما عمت وزورت،أن احتلت منظومتنا التربوية المراتب المتقدمة في ذيل الترتيب العالمي بسبب تفشي الأمية،وتدني المكتسبات الأساسية،وضعف الولوج إلى التعليم، وغياب الجودة،وانعدام المساواة،وغياب الحكامة و.. لم نستطع أن نضمن تعليما ديموقراطيا في الولوج وفي التعلم ذاته،لم نقدر على استصفاء النبلاء وتوجيه القدرات،لم ننمي بحثا علميا يدخلنا عالم المعارف المتدفقة،لم نوائم تعليمنا مع متطلبات العالم المعرفية والمهارية،ولم نهيء بنية تحتية ملائمة لناشئة متعطشة. بخلاصة بقينا نراوح مكاننا،ونجرب وصفة تلو أخرى ، وإصلاحا بعد إصلاح ، واستعجالا بعد ميثاق، وكفايات بعد أهداف،وإدماجا بعد كفايات،ولا شيء بعد ذلك.ويأتي الحاكمون بعد هذا كله وقد احتوشوا الأمر كله تخطيطا وتدبيرا وتنفيذا ليرموا الكل ببوار نتائج كسب أيديهم ثم يمضوا لإتمام المسرحية الدرامية بصور الوهم عن تلاميذ يحفظون النشيد الوطني ومعلم قائم بواجب الابتسام،ومدرسة الواجهة الأنيقة،ومحفظة الأدوات المنتهية الصلاحية،وها قد انتهينا من مشكلة التعليم بجمالية الكاميرا الخفية. أيها العقلاء: أنقذوا مستقبل الفلذات: أيها العقلاء، أيها الفضلاء، يا من تنفطر قلوبهم لوضع التعليم /الكارثة ،أنقذوا فلذات أكبادكم، أنقذوا مستقبل بلادكم، هلموا لنجعل من قضية التعليم أولوية الأولويات وأسبقية الأسبقيات،تنادوا إلى جبهة وطنية لإنقاذ مدرستنا وإحياء منظومتنا التربوية. من المداخل الأساسية التي من الضروري الاشتغال عليها القطع مع التدبير المخزني المنفرد بالقرار في الشأن التعليمي كما في باقي الشؤون الأخرى، لتكن قضية التربية والتعليم قضية الشعب برمته وهم قواه الحية كلها، وكذا القطع مع الارتهان لإملاءات الغير لتستجيب منظومتنا لهويتنا ولحاجياتنا،ثم يفتح نقاش مجتمعي حر واسع يشرك فيه الكل نبحث فيه المدرسة والمتعلم والقيم التي نريد،والمنهاج الذي يلائم هوية مجتمعنا ويوائم متطلباته الحيوية التي تجعله منخرطا فاعلا في عوالم الفعل الانساني قولا وفعلا ،دينا ودنيا ،لا صفرا مهملا على قارعة التاريخ. إنه بالتربية والتعليم بعد الايمان بالله عز وجل لا بغيرهما يمكن أن نصنع إنسانا ونصنع تاريخا ،ونبني عمرانا.إذ التعليم هو الكنز المكنون الذي إذا فقد فقدت الأمم سر وجودها ومصدر عزها. نسال الله العلي العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا وان ينفعنا بما علمنا.