rps20161118_214144

rps20161118_214211

جريدة أخبار أزمور الجهوية العدد 11

بقلم: عبداللطيف عوام

تمهيد:

تحدثنا في الحلقة الثانية من تاريخ وادي أم الربيع (العدد العاشرمن هذه الجريدة)،عن تاريخ سمك الشابل ،وتوقفنا عند خصوصيات هذا السمك والفصيلة التي ينتمي إليها ،وكيف يهاجر من المياه المالحة (البحار) الى المياه العذبة(الأنهار)،وهناك يتوالد ويتدرج في النمو إلى أن يصبح كبيرا يتجاوز وزنه الكيلوين والثلاثة ،وفي هذا السياق ميزنا بين الذكر والأنثى ،وكذلك تطرقنا إلى مواسم صيده في وادي أم الربيع وغيره من الوديان المغربية ،والطريقة التي يتم بها هذا الصيد والشباك المستعملة في ذلك .وكان لابد أن تدرج-حسب الدراسات المختصة- أنواعه الثلاثة، وقلنا بأن أجودها هو الفيلكاريس VULGARIS الذي يوجد في البحار القريبة ،وفي مياه الوديان المغربية .ويظهر الشابل من بداية أكتوبر إلى شهر يناير ،ويكون غنيا بالدهون وجيد المذاق ،وهذا ما يجعله مرتفع الثمن ومطلوبا في الوقت نفسه،ولكنه يغدو فقيرا في الدهون وقليل اللذة بعد ذلك ،وحينها يقبل عليه الفقراء .وهذه الوفرة في سمك الشابل لفتت إليه انتباه التجار الأجانب ،وأخذوا يتوافدون على المغرب،وتحديدا على  مدينة أزمور ،وما كان منهم إلا أن حرضوا ملك البرتغال الدون امانويل الأول (1495 ـ 1521 ) للاستيلاء على المدينة ،وامتد احتلالها من سنة (1513 إلى 1541 ) . 1 ـ سمك الشابل سبب ازدهار المدينة: يعتبر وادي أم الربيع ـ كما أسلفنا القول ـ هو القلب النابض للمدينة ،وما يحيط بها من بلاد دكالة وبلاد تامسنا ،وكان هو المتحكم في مصير المدينة والمنطقة بكاملها .إنه المحرك الأساسي للزراعة والتجارة والملاحة ،وكان يوفر ميناء آمنا للسفن المتضررة من العواصف البحرية العنيفة ،وقد عثرت هذه السفن على ضالتها في الوادي حينما عثرت فيه على اسماك الشابل .وكما درج عليه الأمر مع الفينيقيين الذين  اتخذوا من المدينة مركزا تجاريا .كذلك انتبه إلى ذلك الاسبان والبرتغال في نهاية العصر الوسيط ،وشدوا الرحال صوب الوادي للاستفادة من أسماكه بصيدها وشرائها وجبايتها ،بل وإعادة تسويقها .وهذا ما أدى إلى ظهور طبقة تجارية لها أهدافها وسماسرتها المتكالبون على خيرات الوادي ،وذلك بالمضاربة واحتكار منتوجات المدينة المتنوعة (من سمك وصوف وجلود وشموع….) . وبهذا ضمنت أسماك الشابل المتوفرة بكثرة شديدة ازدهارا واسعا للبلاد ،وساعدها هذا على التوفر على ثروة هائلة ،لان الوادي كان يدر على المدينة كرسوم على صيد سمك الشابل ،سنويا بين 6000 إلى 7000 مثقال ـ كما ورد عند الحسن الوزان ـ وقد أوصل آخرون هذا المدخول أرقاما أعلى من ذلك.وقد أشرنا إلى أنه مدخول ضخم جدا ،وكان المستفيد الأول  من ذلك هو الاحتلال البرتغالي ،بالاستيلاء على المدينة لما توفره من الخيرات.       ويرجع هذا الازدهار التجاري للمدينة أساسا إلى ما عرفته مدينة أنفا القديمة من التخريب على يد البرتغاليين الذين اعتقدوا أنها تخفي مجموعات من المجاهدين وأعضاء القرصنة البحرية وتمنحهم الحماية،وبذلك تحولت القوافل الأجنبية التي كانت تتاجر في منتوجات أنفا والشاوية إلى مدينة أزمور حيث وادي ام الربيع ،لكن التطور الذي عرفته السفن في القرن التاسع الهجري / 15 م ،بتحولها نحو الضخامة جعل الوادي يفقد كثيرا من أهميته كميناء ،وهذا ما دفع بالمدينة المجاورة والناشئة حديثا (مازيغن) ،أن توفر لهم ميناء للرسو وأن تستفيد بدورها من هذه الوضعية .وبالفعل كان مصب الوادي قد ضاق بفعل الحواجز الرملية التي تجلبها الأمواج والعواصف ،فأصبح هذا المصب خطيرا على السفن الضخمة ،فلم تستطع المغامرة بالدخول إلى الوادي والرسو في مينائه ،وذلك منذ أواخر شهر غشت 1513 إلى أواخر شتنبر من السنة نفسها ،وهي السنة التي احتل فيها البرتغال المدينة وتوافد السفن العديدة عليها ،هذا باستثناء سفينة واحدة أو سفينتين صغيرتين ! وسوف يلجأ الاحتلال البرتغالي طيلة احتلاله للمدينة إلى استعمال الزوارق الصغيرة واسطة في شحن البضائع من ميناء الوادي نحو السفن الكبيرة الراسية في البحر على مقربة من المصب،كما هو جار به العمل في كثير من مصبات الأنهار والموانئ الصغيرة والضيقة.ومنذ هذه الفترة والبرتغاليون يعملون على استنزاف سمك الشابل ،وما إليه من الخيرات ،بل أخذوا يتحكمون في صيده وتصنيعه وتسويقه ،ووجدوا في ذلك حلولا لأزماتهم الاقتصادية والعمرانية والسياسية،كما فصلنا القول في ذلك في مكان آخر.         2 ـ أثر أسماك الشابل في مطبخ مدينة أزمور:         يجب التأكيد على أن سمك الشابل  كان على رأس المواد التي تصدر من المدينة ،شأن المنتوجات الأخرى كالجلود والشموع والحبوب والنسيج (الحايك ،الجلباب،البرنس …)،وبذلك دفع الشابل بالمدينة إلى أن تخرج من المحلية إلى العالمية ،وأن تصبح مقصد السماسرة الانجليز والاسبان والهولنديين .ونظرا للكميات الهائلة التي كانت تصاد فقد أخذت المدينة تعمل على تصنيعه وتصديره إلى ما حولها من المدن الداخلية مثل فاس ومراكش وتادلا ،وذلك لما يتوفر عليه من خصوصية ترجع الى خصوبة مياه أم الربيع وجودة المناخ في المنطقة ،وهذا ما أكسب ” شابل مولاي بوشعيب ” مذاقا متميزا ولذة رفيعة ،جعلته يختلف عن أنواع الشابل الأخرى سواء في المعمورة(المهدية حاليا حيث مصب وادي سبو) أو في مدينة سلا حيث مصب (وادي أبي رقراق ).وكان الوزير والمؤرخ ،الشاعر،لسان الدين بن الخطيب ،الذي زار مدينة أزمور مرارا ،عن حديثه عن الشابل أشار في كتابه “المعيار في ذكر المعاهد والديار” ،إلى وفرة أسماك الشابل في سلا ولكن مع هبوط في الأثمان والقيمة الغذائية بقوله” يبرز (الشابل) عدد قطر الديم ويباع ببخس القيم” ،بينما أشاد بأسماك الشابل في وادي أم الربيع ،واصفا إياها بأنها لا مثيل لها في الذوق والجودة العالية والقيمة الغذائية .ولهذا كان ثمنه مرتفعا .        ومادامت كثرة أسماك الشابل جعلت منه صناعة ،فقد كان يعيش عليها السكان ،ومن هنا استطاعت هذه الأسماك أن تدخل ضمن طقوس وتقاليد المدينة وتساهم في تنويع وتشكيل مطبخا المتميز جدا ،هذا المطبخ الذي يضرب بجذوره عميقا في عادات قديمة (امازيغية ،عربية ،اسلامية ،اندلسية..) .وقد جعل سكان المدينة من الشابل عدة وجبات رفيعة وعملوا على تقديمه إلى الضيوف. ولهذا وجدناهم  يعملون على تشريح سمكة الشابل من ظهرها ويتركونها مجموعة ودون تقطيع ،وبعدها توضع عليها التوابل وتبسط فوق الطجين ،ولا تستعمل معها الخضر اللهم إلا القليل من قطع الطماطم والبصل الخضارية إذا وجدت والليمون الحامض طبيعيا أو مرقدا ،ثم ترسل إلى الفران ،ومتى نضجت وتشربت تترك في البيت إلى أن تبرد،وحينها تصبح جاهزة للأكل ،شأن معظم الأسماك ،لأنها متى بردت ازدادت لذة أكثر مما لو أنها أكلت ساخنة،وليس عبثا أن يحضر في ثقافة سكان مدينة أزمور العديد  من الأمثال حول سمك الشابل،نذكر منها ” كل الشابل الهابل”.        وتجدر الإشارة أن الشابل الذي يهيأ في الطجين ويرسل إلى الفران ،يجب أن يتجاوز وزنه كيلوين فما فوق ،وذلك يتم في طجين يبلغ قطره خمسين إلى ستين سنتمترا ،وهو يسع الشابلة التي تزن خمسة كيلوات .وكان ينادى في السوق على الشابلة ،أثناء البيع ،بأنها تباع دون أحشائها (التريباش )،وذلك لأن بضعة أحشاء تجمع وتنقى وتغسل وتخلط مع التوابل وتطبخ هي بدورها سواء في الحماس  على الكانون في  البيت ،أو في الطاجين في الفران .وفي حال أخرى قد تهيأ في الطنجية ويبعث بها إلى الفرناتشي .وغير هذا مما يشكل عادات وتقاليد سكان أزمور في مطبخهم الخاص بالسمك ،والتي هي متأصلة من جهة،ومتنوعة من جهة أخرى ، حتى إنهم اشتهروا بتهيئ الكسكس بالسمك،مما أصبح اليوم يدخل في نطاق الاسطورة ! ناهيك عن مأكولات أخرى لا يدخل فيه السمك ،وتميز بها السكان في هذه المدينة ،مثل البطاطس الحلوة المشوية في الفران ،والتي تؤكل بعدها بالزيت البلدية والكمون ،ومثل الباذنجال المشوي في الفران هو بدوره ،وغير ذلك مما قد نخصص له فرصة أخرى.        والغريب أن سكان أزمور كانوا يتوفرون على الضوء ـ كما أسلفنا ـ بواسطة الزيوت المستخرجة من أسماك الشابل ،وذلك بشهادة الرحالة الحسن الوزان الذي يقول ” وهم يستضيئون به لأنه لا يوجد زيت في هذه البلاد “. وهي إشارة بالغة الأهمية. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك للقول بأن أسماك الشابل عملت على تشكيل تفكير سكان المدينة وتحديد ملامحهم وخيالهم ،لان الوادي تغلغل في نفسيتهم من عدة جهات : ـ من جهة وفرة كميات هائلة من أسماك الشابل المصطادة والمحمولة إلى داخل البلاد وإلى خارجها. ـ ومن جهة ثانية لأن الأرض تسقى بمياه أم الربيع وتزود به الآبار في البيوت وفي الحقول والسواني. ـ ومن جهة ثالثة لأن هذا الوادي هو بمثابة طريق للملاحة والتجارة ،بما أنه الأكثر انتظاما في حجم المياه خلال فصول السنة الأربعة. إلى غير ذلك من الجهات.          3 ـ سمك الشابل بين الماضي والحاضر:          وتبقى بعد هذا الملاحظة التالية،و هي أننا لا ندري على وجه الدقة متى ظهر هذا السمك في وادي أم الربيع ؟ ومتى أصبح جزءا من طقوسها وعاداتها؟ ومتى تحديدا اقتحم تقاليد مطبخها ؟لكننا بالاستناد إلى بعض الإشارات الواردة لدى المؤرخين القدامى نجد أن بعضهم يذهب إلى أن الشابل كان موجودا منذ عدة قرون خلت قبل الميلاد.كما أن هناك قطعا من النقود التي تعود إلى الممالك الأمازيغية تحمل على أحد وجوهها صورة لللأسماك ،وأنها كانت ضمن المواد التجارية المتبادلة.إلا أن هذه الأسماك تكاثرت في أواخر العصور الوسطى واصبحت من مكونات المدينة تاريخيا وثقافيا ،حتى بات اسم هذه الأسماك لا ينفصل عن اسم المدينة،وعن اسم الوالي الصالح ابي شعيب السارية ،فكان يقال “شابل مولاي بوشعيب ” وهو اقتران يتضمن معاني عميقة جدا.       وكان المؤرخ والوزير لسان الدين بن الخطيب أشاد بالرفاهية التي يتمتع بها أهل أزمور ،كما أكد الحسن الوزان على تحضرهم وأطرى حسن هندامهم ،كما لم يفته أن يقف على ماآل إليه حالهم من الفساد .وكل هذا يجعلنا نقف متسائلين ـ ونحن نستحضر العلامة ابن خلدون ـ هل كان هذا التحضر والرفاهية مؤشرا على طريق انحطاط مدينة أزمور ،وذلك مباشرة بعد إخلاء البرتغال لها؟ وهل كانت المدينة بلغت الدرجة القصوى من التحضر كي تهوي إلى الحضيض قرونا بعد ذلك الاستنزاف المبالغ فيه؟ هذا عن الماضي،لكن ماهو مصير وادي أم الربيع بعد كل هذا؟ وما دور العوامل المناخية في انقراض سمك الشابل؟ وماهي نتائج كل هذا على المكانة التاريخية لمدينة أزمور؟        ملاحظة: سبقت الاشارة إلى مراجع هذه الدراسة في الأعداد الأولى من جريدة أخبار أزمور الجهوية.