الإنتاج السينمائي المغربي – مشكلات الدعم والتمويل –

2017-01-07T08:43:49+00:00
اقلام حرةثقافة و فنون
7 يناير 2017آخر تحديث : السبت 7 يناير 2017 - 8:43 صباحًا
الإنتاج السينمائي المغربي – مشكلات الدعم والتمويل –

rps20170107_084148

ازمور انفو24 بقلم:ذ بوشعيب الخياطي

يشكو قطاع الإنتاج السينمائي بالمغرب من معضلات كثيرة تكاد تفوق في العد أصابع اليد الواحدة ، وقد تناول النقاد السينمائيون المغاربة هذه المعضلات بالدرس والتحليل فيما أنجزوه من تأملات نقدية ، فأبرزوا مظاهرها وتجلياتها ، ووقفوا عند العوامل المسؤولة عنها ، واقترحوا حلولا وبدائل بشأنها . ومن هؤلاء النقاد نذكر مصطفى المسناوي في كتابه ” أبحاث في السينما المغربية ” وخالد الخضري في كتابه ” المخرجون السينمائيون المغاربة ” وأحمد سجلماسي في كتابه ” المغرب السينمائي ” وخليل الدمون في كتابه ” أشلاء نقدية ” * .

النشأة والتطور.
في بعض كتابات نقاد السينما بالمغرب إشارات مقتضبة إلى المراحل التي مر منها صندوق دعم الإنتاج السينمائي المغربي ، ابتداء من حقبة النشأة الأولى ، مرورا بالتطورات التي لحقت هذه النشأة ، وصولا إلى الصورة الحالية . ويستفاد من هذه الإشارات أن التفكير في دعم السينما بالمغرب قد نشأت بوادره الأولى أثناء السنوات الأخيرة من عمر الحماية الفرنسية على المغرب من خلال صيغة أطلق عليها صندوق دعم السينما ، لكن هذه الصيغة لم تعش سوى بضع سنين ، ليعاد التفكير مجددا – وبعد مرور سنوات طوال على استقلال المغرب ناهزت العشرين – في إطلاق مشروع لدعم السينما بالمغرب ، وقد عرف هذا المشروع جملة من التحولات والتغيرات نجمت عنها مجموعة من الصيغ وصل عددها لحد الساعة إلى أربع ، والصيغة الرابعة تعرف هي الأخرى مخاضا قد تنتج عنه صيغة خامسة مؤشرات عديدة تؤكد أن ولادتها لن تتأخر كثيرا . ومن النقاد المغاربة الذين تحدثوا عن التطورات التي عرفها دعم السينما بالمغرب نذكر مصطفى المسناوي .

لقد أشار هذا الناقد إلى أن المركز السينمائي المغربي – وفي ظل انعدام المبادرة من طرف شركات الإنتاج الخاصة – قد بادر إلى تحمل مسؤولية الإنتاج إما بشكل كامل أو جزئي عبر ثلاث مراحل .

– المرحلة الأولى وانطلقت سنة 1980 وخلالها سيرى صندوق الدعم النور في صيغته الجديدة المختلفة عن صيغة صندوق الدعم الذي أنشأته الحماية الفرنسية عام 1954 ، وسيعتمد في وارداته على الرسم الإضافي على تذاكر السينما ، وقد أشرفت عليه لجنة يرأسها مدير المركز السينمائي المغربي ، وتتشكل من ممثلين عن وزارات الإعلام والمالية والشغل وعن المنتجين والموزعين والمساعدين على إبداع الفيلم وعالم الأدب والفن بتعيين من وزارة الثقافة . وحدد القانون المنظم لهذا الصندوق ثلاثة شروط لدعم الفيلم وهي أن يتم إنتاجه من طرف مغاربة أو من طرف شركات تتوفر على مقر بالمغرب ، ويملك الحصة الكبرى من رأسمالها أشخاص ماديون أو معنويون مغاربة ، وأن ينجزه مخرج مغربي وطاقم تقني وفني مغربي ، وأن يصور في قسم كبير منه على الأقل بالمغرب مع اعتماد التجهيزات التقنية المحلية . أما المنحة المالية فقد حددت بالنسبة للأفلام الطويلة في مستويين ، ثمانون ألف درهم كمساعدة قاعدية تستفيد منها جميع مشاريع الأفلام ، وثلاثمائة ألف درهم تعطى للأفلام ذات المستوى الفني الجيد . كما حددت بالنسبة للأفلام القصيرة في عشرين ألف درهم ، مع تمتيعها بمجانية أعمال المختبر شريطة ترك نسخة من الفيلم لخزانة السينما .

– المرحلة الثانية ، وانطلقت سنة 1988 وخلالها ألغي الطابع الأوتوماتيكي للمنحة ، وتغيرت تشكيلة اللجنة التي صارت تتكون من منتج / مخرج وموزع وكاتب أو تقني أفلام ومنشط نادي سينمائي ومشغل قاعة سينما وصحفي أو ناقد سينمائي ، وتجتمع هذه الجنة – والتي يعين أعضاؤها لمدة سنتين من طرف غرف المنتجين والموزعين وأرباب القاعات والتقنيين والفدرالية الوطنية لأندية السينما والمركز السينمائي المغربي – مرتين في السنة وبحضور ممثل عن المركز السينمائي المغربي ومراقب مالي بصفتهما ملاحظين . والأساس في عمل هذه اللجنة هو مراعاة جودة الأعمال المقترحة للتصوير وذلك اعتمادا على تقديم ملف يتضمن سيناريو الفيلم وبطاقته التقنية وتقديم كلفة إنتاجه ليستفيد من دعم ما قبل الإنتاج أو على تقديم فيلم بعد إنجازه ليستفيد من دعم ما بعد الإنتاج ، وفي الحالتين معا لا ينبغي أن تتعدى المنحة المقدمة ثلثي كلفة الفيلم . وتتراوح قيمة هذه المنحة بين خمسمائة ألف درهم ومليونين وأربع مائة ألف درهم بالنسبة لمشاريع الأفلام الطويلة ، وتبلغ بالنسبة لمشاريع الأفلام القصيرة مائة ألف درهم . وفي حالة الأفلام المنجزة فتتراوح قيمة المنحة بين مائتين وخمسين ألف درهم و وسبع مائة وعشرين ألف درهم ، وتقف فيما يتعلق بالفيلم القصير عند ثلاثين ألف درهم . كما قد تمتنع اللجنة المكلفة بالدعم عن تقديم الدفعة الأخيرة من المنحة إذا تبين لها أن النسخة النهائية لا تتطابق مع التزامات المنتج/ المخرج .

– المرحلة الثالثة ، وانطلقت سنة 1997 ، وخلالها تم تقسيم لجنة الدعم إلى لجينتين يعين أعضاؤهما من طرف وزير الاتصال ، وقد حددت مدة انتدابهما في سنة واحدة قابلة للتجديد بالنسبة لثلث الأعضاء ومرة واحدة فقط . ويتم هذا التعيين بناء على لائحة مقترحة من طرف المركز السينمائي المغربي ، والغرفة المغربية لمنتجي الأفلام ، في حين يمكن للوزير أن يعين أعضاء آخرين غير مذكورين في هذه اللائحة . فاللجينة الأولى هي لجينة القراءة واختيار مشاريع الأفلام وتتكون من خمسة أعضاء أو نوابهم ينتمون إلى الوسط الثقافي أو الفني ولهم علاقة وطيدة بهذا الميدان مع التنصيص ألا يكونوا أعضاء في أية غرفة مهنية أو هيئة عاملة في القطاع السمعي ، وتضم اللجينة بالإضافة إلى ذلك ممثل عن وزارة الاتصال أو نائبه . واللجينة الثانية هي لجينة تقييم مبلغ الدعم ، وتضم خمسة أعضاء من بينهم ثلاثة خبراء رسميين أو نوابهم يتم اختيارهم من بين المنتجين أو المخرجين أو أطر من تقنيي السينما إضافة إلى ممثل عن المركز السينمائي المغربي أو نائبيهما . وفي هذه المرحلة سيرتفع الحد الأدنى للدعم إلى مليون وخمسين ألف درهم ، ويرتفع الحد الأقصى إلى ثلاثة ملايين وست مائة ألف درهم .

ويعيش صندوق الدعم في الفترة الحالية مرحلة جديدة ينظمها المرسوم الصادر سنة 2012 ، والذي يحدد من بين ما يحدد شروط ومساطر دعم الأعمال السينمائية . ويهدف هذا الدعم أساسا إلى الرفع من جودة الإنتاج الوطني ، وتيسير سبل ترويجه ، ولتحقيق هذه الغاية أحدث المرسوم لجنة تتولى دراسة وانتقاء الأعمال المرشحة للدعم ، وكذا تحديد مستويات الإعانات المالية التي يمكن تقديمها لهذه الأعمال . وتتكون هذه اللجنة من شخصيات تنتمي إلى عالم الثقافة والفن والتربية والسينما وقطاعي السمعي البصري بالإضافة إلى ممثلين عن وزارة الاتصال ووزارة المالية ووزارة الثقافة والمركز السينمائي المغربي ، وتعين السلطة الحكومية المكلفة بالاتصال رئيس وأعضاء هذه اللجنة بناء على اقتراح من المركز السينمائي المغربي ، واستشارة الغرف المهنية المعنية في ميدان السينما وذلك لمدة سنتين قابلة للتمديد لمدة سنة إضافية واحدة . وخلال هذه المرحلة سيتجاوز دعم الأفلام الطويلة الأربعة ملايين درهم ، وسينفتح أكثر على مهام أخرى غير الإنتاج ككتابة السيناريو مثلا .

وقد بدأت تظهر في الأفق مجموعة من المؤشرات التي تفيد أن هذه الصيغة الأخيرة قد تعرف بعضا من التعديلات ، سواء على مستوى تشكيل اللجنة المكلفة بانتقاء المشاريع المستحقة للدعم ، أو على مستوى المعايير المعتمدة في هذه العملية . ومما قد يشجع على ذلك فشل تجربة الدعم بالمغرب لحد الآن في تحقيق الغاية الكبرى التي من أجلها وجدت والمتمثلة في الإسهام في بناء صناعة سينمائية وطنية حقيقية تتيح للعاملين بالحقل السينمائي المغربي إنتاجا منتظما يحترم المطلب الإبداعي ، ويضمن لنفسه التداول المطلوب ليس على المستوى المحلي فقط ، بل وعلى الصعيد الخارجي أيضا .

الآثار والنتائج .
لقد كان لصندوق الدعم خلال المراحل التي مر منها أو خلال المرحلة التي يعيشها الآن أثر واضح على الإنتاج السينمائي المغربي، تجلت ملامحه على أكثر من مستوى . فقد أتاح هذا الصندوق لمجموعة من السينمائيين المغاربة أن يوقعوا أفلامهم الأولى ، وساهم أيضا في الرفع من وثيرة الإنتاج الوطني ، كما ساعد على تجويد العملية الإبداعية وظهور أفلام متميزة . وقد وقف نقاد السينما بالمغرب عند هذه النتائج فقدموها على شكل بيانات وإحصاءات بينت بوضوح مدى استفادة العملية السينمائية بالمغرب من هذا الصندوق .

فمصطفى المسناوي يسجل أن المرحلة الأولى من صندوق الدعم الواقعة بين 1980 و 1987 قد عرفت إنتاج حوالي ثلاثين فيلما طويلا وعشرين فيلما قصيرا . وأن المرحلة الثانية التي جاءت بعد 1988 قد شهدت ظهور أفلام مميزة وإن كانت قليلة العدد ، وأن الآليات التي صاحبت عمل لجنة الدعم في المرحلة الثالثة والتي انطلقت سنة 1997 قد أدت إلى الرفع من المبلغ المالي المخصص للدعم ، وبالتالي ظهور عدد وفير من الأفلام غير مسبوق في تاريخ السينما المغربية . فخلال سنوات 1989، 1999، 2000 ، أنجز السينمائيون المغاربة ثلاثا وعشرين فيلما أي بمعدل يزيد عن سبعة أفلام في السنة .

ويلاحظ خالد الخضري أن المخرج المغربي سوف يجد متنفسا في قناة الإنتاج على الأقل بفضل صندوق الدعم ، وسيخلق هذا المتنفس بدوره انعكاسات بينة على مستوى الكم الفيلموغرافي . ففي ظرف خمس سنوات أي في الفترة الواقعة بين 1980 و 1984 تم إنجاز واحد وثلاثين فيلما روائيا طويلا أي بما يعادل ستة أفلام في السنة الواحدة ، في حين لم ينجز خلال المرحلة السابقة على 1980 سوى عشرين فيلما أي بمعدل فيلم واحد في السنة . كما سمح هذا الصندوق بظهور مجموعة من المخرجين الجدد ، ذلك أنه من أصل خمسة وعشرين مخرجا ، هناك سبعة عشر مخرجا أخرجوا لأول مرة أشرطة طويلة . ومنح هذا الصندوق أيضا حافزا إنتاجيا للسينمائي المغربي ، فتزايد عدد السينمائيين المغاربة سواء الذين درسوا بالخارج أو الذين لم يدرسوا الفن السينمائي بالكل .

وينقل أحمد سجلماسي على لسان الإدارة الوصية ومن يدور في فلكها أن صندوق دعم الإنتاج السينمائي المغربي قد مكن عددا كبيرا من السينمائيين المغاربة من إخراج أفلامهم الأولى ، وأسهم في خلق تراكم فيلموغرافي لا تخطئه العين . ويلاحظ أن أصحاب هذا الموقف يركزون على إيجابيات هذا الصندوق ويدعون إلى ضرورة مده بأموال إضافية حتى يتيح لعجلة الإنتاج أن تدور بشكل منتظم .

أما خليل الدمون فيرى أن صندوق الدعم قد كانت له بعض الانعكاسات الإيجابية على الإنتاج السينمائي الوطني ، وقد تمثلت هذه الانعكاسات في التحسن الكمي والتطور الملحوظ في عدد الأفلام التي يتم إنتاجها كل سنة ، والإقبال المتزايد للجمهور على مشاهدة الفيلم المغربي ، والحضور اللافت لهذا الفيلم في بعض المهرجانات السينمائية الدولية ، وارتفاع الطلبات على سوق الشغل في مجال السينما بالمغرب .

والحق أن ما سجله نقاد السينما بالمغرب من آثار إيجابية لصندوق الدعم على الإنتاج السينمائي المغربي ، وعلى السينمائيين المغاربة لا يمكن إنكاره ، بل يمكن الجزم دونما خوف في الوقوع في شرك التهويل أو المجازفة أنه لا حياة للسينما في المغرب دون الدعم الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع . ذلك أن الواقع يؤكد أن جل المحاولات التي قام بها بعض السينمائيين المغاربة لإنتاج أفلامهم بعيدا عن منحة صندوق الدعم لم يكتب لها النجاح ، وبالتالي غدا فمن الصعب أن يغامر منتج باستثمار أمواله في قطاع يعرف مسبقا أن معظم منتجاته لا تلقى القبول الذي من شأنه أن يضمن لها الوجود والاستمرارية .

العيوب والاختلالات .
إن وقوف نقاد السينما بالمغرب عند الآثار الإيجابية لتجربة صندوق الدعم على الإنتاج السينمائي المغربي ، لم يكن في الأصل إلا تمهيدا للحديث عن ثغرات ونقائص هذه التجربة . فالملاحظ أن هؤلاء النقاد قد أسهبوا في تقصي اختلالات هذه التجربة في مختلف مراحلها ، وأبانوا عن مظاهر ضعفها وهوانها ، وانتقدوا القوانين والتشريعات المنظمة لها ، فكان هذا النقد بمثابة البوصلة التي كانت توجه الإدارة الوصية على القطاع السينمائي بالمغرب للبحث عن الصيغة المناسبة للدعم والتي من شأنها أن تصحح الثغرات وترمم النقائص .

فمصطفى المسناوي يشير إلى الاختلالات التي عرفتها المراحل الثلاث الأولى من تجربة صندوق الدعم ، فيسجل أولا أن المهتمين بالشأن السينمائي بالمغرب قد انتبهوا إلى أن صندوق الدعم في صيغته الأولى لم يؤد الدور المطلوب منه والمتمثل في إنعاش السينما المغربية نظرا لثلاثة أسباب : يتمثل الأول منها في تواضع المنحة المقدمة ، ويتمثل الثاني في غياب المقاييس الموضوعية في تسليم المنحة الإضافية ، ويتمثل الثالث في غلبة الكم على الكيف . ويسجل ثانيا أن الانتقادات التي وجهت لصندوق الدعم في صيغته الثانية قد ركزت بالخصوص على إمكانيات التلاعب التي قد تترتب عن وجود علاقات تواطؤ سري بين أعضاء نافذين في لجنته ، وبين سينمائيين يرتبط مصير ظفر مشاريعهم بالمنحة بقرار هؤلاء الأعضاء . ويسجل أخيرا أنه تبين لجميع المهتمين بمجال الدعم السينمائي أن المرحلة الثالثة من صندوق الدعم تعاني بدورها من عدد من الثغرات والنقائص التي لا تساعد إطلاقا على ظهور السينما المغربية المأمولة .

ويرى خالد الخضري أن المنحة التي يقدمها صندوق الدعم تبقى مجرد إعانة على الإنتاج ، ولا تغطي تكلفته الإجمالية . ويضيف أن التهافت على الإخراج – الذي شجعته تجربة الدعم – قد خلق نتائج سلبية تمثلت في ظهور ما يسمى بمقتنصي المنحة ، مما أثار ردود أفعال وصلت إلى حد المطالبة بإلغاء صندوق الدعم . ويسجل أيضا أن أغلبية المخرجين الذين استفادوا من خدمات هذا الصندوق في مرحلته الأولى لم يكرروا التجربة ، نظرا لعجزهم عن إيجاد مصادر تمويل أخرى تغطي التكلفة الإجمالية لأفلامهم . كما يشير إلى أن التعديلات التي عرفتها المسطرة المنظمة لصندوق الدعم منتصف الثمانينيات لم تأت بحلول ناجعة إذ سرعان ما ظهرت بعض العيوب بالمسطرة الجديدة ترجع في أغلبها إلى مصداقية اللجنة المكلفة بالحسم في دعم المشاريع المرشحة .

ويسجل أحمد سجلماسي على لسان بعض النقاد والصحفيين والسينمائيين أن الاعتماد على صندوق الدعم وحده لا يمكن أن يحل معضلة الإنتاج السينمائي بالمغرب ، لذلك يغدو ضروريا التفكير في وضع استراتيجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار كل العوامل المرتبطة بالفضاء السمعي البصري محليا وعالميا . ويلاحظ أن أصحاب هذا الموقف يركزون على سلبيات صندوق الدعم ويدعون – ترتيبا على ذلك – إلى إعادة النظر في القانون المنظم له . ويضيف – في انسجام مع هذا الموقف و تأكيدا له – أن جل الأشرطة التي استفادت من الدعم خلال الفترة الواقعة بيت 1980 و 1995 قد خيبت الآمال المعقودة عليها ، مما يؤكد أن تجربة صندوق الدعم تشكو لا محالة من خلل ما . وقد يكون هذا الخلل في اللجان المكلفة بالبث في مشاريع الأفلام ، مثلما يمكن أن يكون في هذه المشاريع نفسها . ويخلص في الأخير إلى أن هذه التجربة قد أفرزت ثلة من السينمائيين أنساهم التهافت على المنحة التفكير بجدية في مسألة الإبداع وكيفية تطوير المنتج السينمائي المغربي .

أما خليل الدمون فيرى أنه آن أوان تقييم تجربة صندوق الدعم بالمغرب بعد مرور حوالي خمس وعشرين سنة على انطلاقتها ، وذلك للعديد الأسباب منها أن المسؤولين لم يخضعوا هذه التجربة قط للتقويم الموضوعي ، وأن جميع المهتمين والنقاد والسينمائيين المغاربة أصبحوا مقتنعين بأن التجربة الحالية قد استنفذت كل ما في جعبتها . ويسجل بهذا الخصوص أن سياسة الدعم في المغرب لم تواكبها الإجراءات الضرورية على مستوى البنية التحتية ، ومن مؤشرات ذلك أن المنتج في المغرب لا يعدو أن يكون إلا مجرد مقدم خدمات ، عليه أن ينتظر دوره أمام لجنة الدعم ليستفيد من منحة عليه أن يتدبر أمرها بإتقان ليصل بفيلمه إلى بر الأمان ، وقد تتعثر خطواته في بداية الطريق أوفي وسطها أوفي نهايتها . ثم يضيف أن لجنة الدعم في تركيبتها والمعايير التي تتحكم في تشكيلها تبقى بعيدة كل البعد عن تحقيق الاستقلالية والحياد والكفاءة . فعند تكوين هذه اللجنة تكون الأهداف مرسومة والمخططات مدروسة الأمر الذي أدى بالدعم إلى متاهات جعلت منه مطية لتحقيق مكاسب آنية . ويخلص أخيرا إلى أن التطور الحاصل في مبالغ الدعم التي تقدمها الدولة المغربية للفيلم المغربي لم تحقق الجودة المنشودة نظرا لأسباب تتعلق بغياب مؤسسات الإنتاج بمفهومها الحرفي بالمغرب ، وبتفاقم الصعوبات الإدارية التي ترافق صرف المنحة ، وباستمرار إغلاق القاعات السينمائية .

إن الانتقادات التي ساقها نقاد السينما بالمغرب لصندوق دعم الإنتاج السينمائي المغربي قد مست بالأساس ثلاثة جوانب أساسية ، يتعلق الأول منها بالقانون المنظم لهذا الصندوق ، ويتعلق الثاني باللجان المسؤولة عن انتقاء المشاريع المزمع دعمها ، ويتعلق الثالث بالسينمائيين المستفيدة مشاريعم من الدعم . فالقانون المنظم لهذا الصندوق لم يفلح بعد في سد الثغرات التي تشكو منها عملية دعم المشاريع المطروحة للانتقاء ، واللجان المسؤولة عن التدبير الفني والمالي لهذه العملية لا تتمتع في أغلب الأحيان بالاستقلالية في اتخاذ قراراتها ، والحياد في ممارسة مهامها ، والسينمائيون المغاربة المستفيدون من الدعم لم يستثمروا المبالغ الممنوحة لهم بالشكل المطلوب في بناء منتج سينمائي راق يحوز رضا النقاد والمشاهدين على السواء ، ويضمن لنفسه تداولا مقبولا في أكبر عدد من قنوات التوزيع المتاحة .

الصيغ والأشكال .
تكاد العملية الإنتاجية في المغرب تقوم على أساس صيغة واحدة ووحيدة وهي الدعم الذي تقدمه الدولة للسينمائيين ، لدرجة أن مجمل المهتمين بالشأن السينمائي المغربي قد ربطوا ربطا وثيقا بين وجود السينما بالمغرب وبين وجود صندوق الدعم . غير أن بعض المخرجين السينمائيين المغاربة قد حاولوا – ومنذ أن بدأت السينما المغربية تخطو خطواتها الأولى – البحث عن صيغ أخرى للإنتاج ، كتأسيس شركات خاصة ، أو التكتل ضمن تعاونيات وجمعيات ، أو اللجوء إلى آلية الإنتاج المشترك . وقد تأمل نقاد السينما بالمغرب هذا الواقع الإنتاجي المضطرب فكشفوا عن أسبابه ومظاهره ، ووقفوا عند آثاره ونواتجه .

يذكر خالد الخضري في هذا الإطار بتجربة حميد بناني وأحمد البوعناني ومحمد السقاط حينما أسسوا دارا للإنتاج أطلقوا عليها اسم سيكما 3 ، وهي الدار التي عملت على إنتاج أول وآخر فيلم لها من توقيع حميد بناني . وقد كانت الفكرة الأصلية وراء إنشاء هذه الدار هي تمكين المنتسبين إليها من إخراج أشرطتهم الأولى . غير أن هذه التجربة لم تحقق ما كان مرجوا منها ذلك أنها لم تفرز إلا فيلما يتيما هو وشمة .

ويعرض خالد الخضري أيضا لتجربة كل من محمد الركاب وسعد الشرايبي وعبد القادر لقطع ومصطفى الدرقاوي وعبد الكريم الدرقاوي ونور الدين كونجار والعربي بلعكاف . هذه التجربة التي قامت على أساس أن يتم التعاون بين هؤلاء السينمائيين فنيا وتقنيا شريطة أن ينفرد كل واحد منهم بالإخراج وبالتناوب . غير أن هذه التجربة التي أثمرت فيلم رماد الزريبة ، لم تحقق ما كان منتظرا منها نظرا لاختلاف الرؤى وتباين المواقف الذي ظهر بالتدريج بين المنتسبين إليها .

ويشير خالد الخضري كذلك إلى تجربة الإنتاج المشترك ، والتي تمثلت في لجوء مجموعة من المخرجين المغاربة إلى هيئات ومؤسسات أجنية بغرض مساهمة هذه الهيئات والمؤسسات في تمويل أفلامهم السينمائية . وقد وفرت هذه العملية سيولة مالية غطت نفقات الأطقم التقنية الأجنبية الخبيرة ، الشيء الذي أسهم في تحسين المنتج السينمائي المغربي ،وتجاوز الهفوات التقنية التي كانت تعاني منها عادة الأفلام السينمائية المغربية المعتمدة على الإمكانيات المحلية .

إن الصيغ الإنتاجية التي اعتمدت إما على الجهود الفردية أو على المبادرات الجماعية سواء عبر تأسيس شركات خاصة ، أو من خلال الالتئام في تعاونيات أو بواسطة اللجوء إلى آلية المساعدة الخارجية ، لم تستطع أن تشكل بديلا موضوعيا للدعم الذي تقدمه الدولة . فلازال التخوف ينتاب القطاع الخاص من ولوج عالم الإنتاج السينمائي ، خصوصا وأن أغلبية الأفلام المغربية – وأمام انسداد آفاق التداول أمامها – لا تستطيع أن تغطي ولو جزء يسير من نفقات إنتاجها ، كما أن مساهمة الإنتاج المشترك في تمويل الأفلام السينمائية المغربية ليست قائمة على أساس من الاستمرار والثبات والوضوح ، أما آلية التكتل في إطار جمعوي فإنها تذكر بعصر بائد كانت فيه السينما مجرد صنعة هاو يقف هنا ويتعثر هناك ويواصل السير مرة أخرى عله يظفر بما يضمن له الاستمرار في ميدان لا يعترف إلا بالإتقان والكفاءة والمردودية ، ولا يحوز رضاه إلا من يجيد ركوب سفينة المغامرة والتحدي .

الاقتراحات والحلول .
أمام المعضلات التي يعاني منها قطاع الإنتاج السينمائي بالمغرب ، حاول نقاد السينما بالمغرب أن يقترحوا بعضا من الحلول التي اعتقدوا أن بإمكانها أن تخفف من وطأة هذه المعضلات ، فركزوا على جملة من العناصر المرتبطة إما بالزيادة في حجم الإنفاق على المنتج السينمائي المغربي ، وإما بتشجيع القطاع الخاص لاقتحام مغامرة الإنتاج ، وإما بمواكبة الفيلم المغربي بالرعاية اللازمة حتى يحقق تداولا معقولا .

فخليل الدمون يعتقد أن الميزانية الحالية للأفلام المغربية لا تسمح بتطوير الإبداع السينمائي وتنويعه ، لذلك يغدو من اللازم على المنتجين المغاربة أن يبحثوا عن سبل الزيادة في ميزانيات أفلامهم لتصبح على الأقل عشرة ملايين درهم . ولن يتأتى ذلك إلا عندما يستقل الإنتاج عن الدعم ، ويبرز إلى الوجود منتجون حقيقيون يستثمرون أموالهم في السينما . ثم يؤكد أن سياسة الدعم بالمغرب لن تؤتي أكلها إلا بإصلاح المنظومة المهيكلة لقطاع السينما من إنتاج وتوزيع واستهلاك ، فلا يكفي أن ننتج فيلما وندعمه ثم نتركه وحيدا في الساحة بل ، لابد أن نجد له القاعات التي ستعرضه والقنوات التلفزية التي ستشتري نسخا منه وأن نبحث له عن أسواق خارجية . كما أن إصلاح المنظومة لا يمكن أن يتم إلا بمصاحبة هذا الإصلاح بإجراءات ثقافية متمثلة أساسا في تكوين المخرجين وكل العاملين في الحقل السينمائي المغربي ، ومراجعة القوانين المنظمة لهذا الحقل ، وتقوية ودعم قنوات تنميته ، وتطوير الثقافة السينمائية عند النقاد ووسائل الإعلام وجمعيات المجتمع المدني التي لها علاقة بالسينما . ويقترح أيضا القضاء على مبدأ الشباك الواحد وفتح المجال أمام تعدد صناديق الدعم لأن من شأن ذلك أن يفتح سبل الدعم حسب التخصصات . ليخلص أخيرا إلى تقديم تصور شامل عن الإجراءات التي من شأنها أن تساعد على تجاوز الوضعية الإنتاجية الراكدة ، وقد حدد هذه الإجراءات في ضرورة التفكير في إخراج السينما بالمغرب من مرحلة التعاونيات إلى مرحلة الصناعة السينمائية الحقيقية ، وإعادة النظر في الوظائف التي يمكن أن يلعبها صندوق الدعم بما يساهم في تجويد المنتج السينمائي المغربي ، وضرورة تشجيع الدولة للخواص ليقتحموا عملية الإنتاج ، وأهمية الرفع من وتيرة الإنتاج ليصل إلى أربعين فيلما سينمائيا ، والزيادة في الميزانية العامة للأفلام حتى تناهز ثمانين ألف درهم ، والعناية بالتكوين وإعادة التكوين لكل العاملين بالقطاع ، والوصول بالفيلم المغربي إلى نسبة خمسين بالمائة من شباك التذاكر ، وتفعيل منحة الجودة النصوص عليها في قانون الدعم ، ووضع آلية لتحسين تدبير ومراقبة ميزانية الإنتاج من طرف المهنيين ، وإلزام القنوات التلفزية بالمشاركة في الإنتاج السينمائي ، وإشراك المجالس المنتخبة والجهات في دعم هذا الإنتاج ، والتفكير في توظيف نسبة من مداخيل الإنتاجات الأجنبية لإغناء الموارد المالية لصندوق الدعم ، وتشديد العقوبات على الشركات بخصوص تشغيل المهنيين تشغيلا غير قانوني .

وقد لا نجانب الصواب إذا أقررنا أن خليل الدمون قد قدم تصورا واضحا لما يراه حلا لمعضلة الإنتاج السينمائي بالمغرب . وهو حل بنيوي يقوم في أساسه على فكرة الإصلاح الشامل للمنظومة المهيكلة لقطاع السينما بالمغرب . فلا يكفي أن ندر أمولا على منتج يبقى حبيس علبه لا يرى النور إلا خلال المناسبات ، وقد لا يرى هذا النور أبدا ، بل لابد من مصاحبته بما يكفي من الرعاية والاهتمام حتى يعانق جمهوره ، وهذه الرعاية وهذا الاهتمام لا ينبغي أن يقتصرا على تيسير سبل تداول هذا المنتج فقط ، بل من الضروري أن يشملا كل الجوانب المرتبطة بالعملية الإبداعية من بنية تحتية ، وتكوين رصين لكل العاملين بحقل السينما . إنها منظومة متكاملة عزل عنصر من عناصرها ، ومحاولة إصلاح أعطابه بمعزل عن العناصر الأخرى لن يكون إلا محاولة ترقيعية ، لن تؤدي بتاتا لا إلى إنعاش السينما الوطنية ولا إلى بناء صناعة سينمائية حقيقية .

———————-

* ينظر في هذا الباب :
– موضوع المركز السينمائي المغربي ( ص 52… 64 ) ، في كتاب أبحاث في السينما المغربية : مصطفى المسناوي ، منشورات الزمن ، 2001 .
– موضوع المخرج ، المنتج ( ص 50 … 57 ) ، وموضوع المخرج المغربي وصندوق الدعم ( ص 58 … 63 ) ، في كتاب المخرجون السينمائيون المغاربة ، دراسة ودليل : خالد الخضري ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط 1996 .
– موضوع صندوق الدعم ( ص 50 … 54 ) ، في كتاب المغرب السينمائي ، معطيات وتساؤلات : أحمد سجلماسي ، سلسلة شراع 1999 .
– موضوع الدعم السينمائي بالمغرب كآلية للدعم ( ص 32 … 41 ) ، وموضوع السنة الأولى بعد المناظرة ( ص 59 … 64 ) ، في كتاب أشلاء نقدية : خليل الدمون ، مطبعة سليكي أخوين ، طنجة 2015 .

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!