أزمور انفو24 بقلم: الدكتور عبدالإله جنان نشرت جريدة المساء في عدد سابق لها متابعة للقاء التشاوري الوطني حول تراث الملحون والذي احتضنته أكاديمية المملكة المغربية وترأسه كل من الأستاذ الجليل د.عباس الجيراري والسيد وزير الثقافة بتاريخ 9 يناير 2018، تحت عنوان "الملحون على خطى التراث الإنساني العالمي" أوردت فيها الجريدة تصريحين لكل من الأستاذ والمسرحي عبد المجيد فنيش والأستاذ عبد الصمد بلكبير. وسأحاول في هذه الفسحة توضيح بعض اللبس الحاصل لدى غير ذوي الإختصاص وكذا إثراء النقاش حول ما ورد في التصريحين اللَّذَيْنِ تضمنتهما المتابعة والتي نالت من الملحون كصرح أدبي، ثقافي، تراثي وحضاري مغربي. الملحون أدب وشعر مغربي بكل المقومات الأدبية والشعرية. يبدو جليا من خلال قراءة في أغلب ما ينشر وجود لَبْس، وللأسف حتى لدى بعض الأكاديميين من الدارسين للفكر والمجتمع والأدب حينما يتحدثون عن الملحون المغربي. فمنهم من يعتبره فلكلورا ومنهم من يعتبره أغنية شعبية ومنهم من لا يزال يخلط بينه وبين موسيقى الآلة؛ رغم أن التمييز بين الشعر والموسيقى لا يحتاج إلى كثير عناية.هذا اللَّبس مرده الأساسي في نظري؛ إلى أن المتعامل مع هذا الشعر المغربي يجد نفسه في حاجة ملحة إلى ثقافة عامة تتعدى المكتوب والمنطوق لاكْتِنَاهِ عوالمه والوقوف على مكامن القوة فيه ليصبح مطواعا وفي متناول يديه. فشعر الملحون بكل بساطة، شعر مغربي تأسس كخطاب أدبي له كل المقومات الشعرية من عروض وقافية ومعجم ومحسنات بلاغية وبديعية، وشعراؤه ذاع صيتهم في الأمصار من عامة الشعب وخاصتهم. ما يميزه بحق توسله بلغة عامية متداولة بين أفراد المجتمع المغربي غير الناطق بالأمازيغية. غير أن هذه اللغة امتحت من العربية الفصحى نسبة كبيرة من معجمها وتراكيبها؛ حتى أصبحت تجد قصائد شعرية من الملحون بلغة عربية فصيحة أسقط إعرابها كشرط أساسي وتأسيسي لبناء القصيدة. هذا لا يعني خلو شعر الملحون من مفردات وكلمات غريبة عن المعجم العربي الفصيح، بل بالعكس كان المعين الإجتماعي بما يوفره من معجم خصب نتيجة التأثر سواء بالأمازيغية وغيرها؛ مصدرا أساسيا لإثراء اللغة الشعرية لقصيدة الملحون. ولعله من المهم هنا التأكيد على أن شعر الملحون عرف بداياته وإرهاصاته الأولى في العهد المرابطي والموحدي مع شعراء كابن غرلة وعبد المومن الموحدي وميمون بن خبازة ومحمد بن حسون وابن سبعين والكفيف الزرهوني وغيرهم كما ذكر الأستاذ الجليل د.عباس الجراري في التقديم لموسوعة الملحون. إلا أن هذا الشعر لم يعرف اكتمال نشأته وذروة إبداعه إلا خلال القرنين 18 و 19 الميلادي حيث اكتملت أوزانه وتفننت أغراضه وتعابيره وأساليبه البلاغية والبديعية. هذا في فترة زمنية عرفت لدى دارسي الأدب العربي ونقاده بلحظة الإنحطاط والفتور، غير أن المغرب وقتها عرف إزدهارا منقطع النظير في الإبداع الشعري لقصيدة الملحون انخرط فيها العلماء والفقهاء والصناع والوزراء و السلاطين، فكانت الساحات والأسواق والزوايا والبلاطات تعج بشعراء الملحون وحفاظه ومنشديه والعالمين بأساليبه، وقد أطلق على هذه المرحلة من تاريخ الملحون ب"عصر الصابة ذ الأشياخ". الملحون تراث وثقافة. لقد شكل شعر الملحون مرآة للمجتمع المغربي تمكن شعراءه بفضل حسهم المرهف وتفاعلهم التام مع قضايا كل الفئات الإجتماعية من تلخيص تجاربهم واستخلاص العبر والدروس منها، كما ساهم في تهذيب الوجدان واكتناه الجمال في كل المخلوقات بمختلف مكوناتها؛ في محاكاة رائعة تروم توجيه الأفراد للعيش في تناغم وتوازن مع محيطهم. كما كانت تبسط لهم كل المعارف والمهارات الدينية منها والحياتية للإبتعاد بهم عن العزلة والحيرة والإنحراف والضياع. كان الملحون في كل ذلك حالة وجدانية يعيشها المجتمع المغربي في كل سكناته وحركاته في أفراحه وأحزانه، تعلُّمِه وترفه، هزله وجِدِّه في راحته وقلقِه. فلا تجد حالة إنسانية أو طبيعية لم يكن لشاعر الملحون تجاوب معها. هذه هي قوة الملحون التي نقلتْه من مجرد شعر وإبداع أدبي إلى ملحمة مجتمعية يجد فيها كل فرد؛ على اختلاف الجنس والأعمار وقدرات التلقي، متنفسا لما يعْتريه من شعور وما يخْتلج في صدره من مشاعر، فتحول الملحون من مجرد شعر وأدب إلى ثقافة مجتمع تؤطر وتوجه وتجمع وتحمس كل مكونات الشعب المغربي. أكاديمية المملكة المغربية، مؤسسة ردت الإعتبار لشعر الملحون المغربي. عانى شعر الملحون وشعرائه عبر التاريخ من إهمال كبير نتج عنه ضياع مئات بل آلاف القصائد وكذا أخبار العديد من شعرائه نتيجة مقاربة متحجرة كانت تظن أنها بذلك تحافظ على صفاء اللغة العربية. وزاد في تأزم الوضع التعامل المماثل للجامعة المغربية ومؤسسات التكوين عامة، فتركته يواجه النسيان والضياع. فكانت النتيجة أن الخزانة المغربية تكاد تكون فارغة من مؤلفات وكتب ودراسات حول أدب الملحون؛ في مقابل إصدارات وفيرة اهتمت بكل فروع الأدب العربي وفي كل عصوره. وفي مقاربة رامت إنصاف هذا الموروث الثقافي الأدبي المغربي، عملت أكاديمية المملكة المغربية - وليس مُؤخرا كما يُروِّج البعض- على رد الإعتبار لشعر وشعراء الملحون في وعي تابت بأهميته كعنصر من عناصر الهوية المغربية وأساس الوعي بالذات الوطنية، كما ورد في تقديم أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة لمشروع موسوعة الملحون. وما كان عمل أكاديمة المملكة المغربية عملا مناسباتيا يهدف لِتسْويغِ غير ذلك. هذه المبادرة التاريخية عرفت بدايتها سنة 1984 مع المرحوم الأستاذ محمد الفاسي عندما أصدرت الأكاديمية عمله الموسوعي "معلمة الملحون" والذي لم يكتب له الإكتمال بوفاته رحمه الله. هذا الوعي المتجذر لأكاديمية المملكة المغربية وإصرارها وإيمانها بأهمية الملحون كجزء من التاريخ الثقافي والتراثي المغربي؛ جعلها سنة 2007 تؤسس لمشروع ضخم يروم ويهدف إلى جمع وإصدار دواوين شعراء الملحون المغاربة؛ تبنت فيه منهجية علمية أشركت فيها كل الباحثين المختصين والشعراء والخزانة والمهتمين في إطار لجنة يرأسها الأستاذ الجليل د عباس الجيراري، وأطلقت على هذا المشروع "موسوعة الملحون"؛ صدر منها لحد الساعة عشر دواوين لكبار شعراء الملحون بالمغرب. ولعل ما صدر من هذه الدواوين وما سيأتي بعدها، ليعد عملا تأسيسيا حقيقيا سيحافظ للمغرب على ثروة مهمة من تاريخه الثقافي الإبداعي. وفي نفس الإتجاه، وللحفاظ على هذا الموروث الثقافي الأصيل؛ لا كإبداع فقط؛ بل كتراث فني ارتبط بالمجتمع المغربي عبر طقوس وعادات وتقاليد ذات طابع إحتفالي، عملت هذه المؤسسة الوطنية على إطلاق مبادرة هامة لتسجيل الملحون ضمن لائحة التراث الثقافي اللامادي لدى منظمة اليونيسكو بتعاون مع وزارة الثقافة وجمعيات المجتمع المدني العاملة بكل مراكز الملحون بالمغرب، خلال اللقاء التشاوري الذي نظمته الأكاديمية ووزارة الثقافة بتاريخ 9 يناير 2018 واعتبر كانطلاقة رسمية لتهيئ الملف. شعر الملحون المغربي واهتمام المؤسسات الثقافية والعلمية. إنه ضَرْبٌ من الوهم أن نَخَالَ أن الإهتمام بدراسة وتدريس التراث الثقافي للأمة يندرج ضمن سياقٍ سياسي أو إديولوجي مُعين، بل إن حذف الذاكرة الإبداعية للأمة هو الذي يندرج ضمن مخطط يروم اقتلاع جدور مكونات هوية أفراد المجتمع. فلا أحد من الباحثين والمهتمين بشعر الملحون ناصر أو دافع عن توجه لدراسة هذا الشعر بلغة عامية، و هذا جَلِيٌ في كل الدراسات أو الندوات والمحاضرات التي اهتمت بالملحون. كما أنه من غير المعقول أن نُدَرِّسَ أبنائنا أشعارا لشعراء الجاهلية وكل العصور التي بعدها، وحين نُحَدِّثهُم عن إبداع أسلافهم نقدم لهم شاعرين أو ثلاثة شعراء مغاربة كنماذج ونُغَيِّب تراثا شعريا ينافس ويتفوق أحيانا على نماذج الشعر العربي فنا وإبداعا؛ بحجة أنه بلغة عامية وأن دراسته وتدريسه سيفسد اللغة العربية، أو سَنَسْتَغْنِي بذلك عن دراسة الأدب الفصيح ونعزل المغاربة عن ألفي سنة من تاريخ الجزيرة العربية. إن النتيجة الوحيدة والحقيقية لتَغْيِيب هذا التراث الشعري الهائل هي طمس معالم الهوية الإبداعية للمغاربة وإذكاء الشعور بِخُلُو تاريخ المغرب من مبدعين خلاقين في فن القول الشعري، وتَغْيِيب النماذج الأدبية الشعرية في الذاكرة والتاريخ الثقافي المغربي. لا أحد من العقلاء يرغب اليوم في تعويض شعر الملحون للأدب الفصيح في المدرسة المغربية، لكن من باب الإنصاف أن نُطلع أبنائنا على ما خلفه أجدادهم من إبداعات شعرية رائقة وخلاقة في كل مناحيها الشعرية، الفنية والإيقاعية والبلاغية والبديعية منها وعلى مستوى الأغراض والتيمات التي تَمْتَحُ من خصوصية المجتمع المغربي. لقد شكل شعر الملحون عبر قرون دَيْدَنَ المغاربة وديوانهم الذي أَوْدَعُوا فيه سيرورة حياة مجتمع بأكمله، ضَمَّنَهُ همومه وآهاته وأفراحه ووجدانه وتجاربه، وجعل منه فضاءا رحبا للخطابة والتخاطب والمساجلة والحوار والمُحَاجَّة والمراسلة والمحاكاة والحوار والمرافعة والفرجة والعبادة والخيال والاستشراف. فاستحق فن الملحون أن يكون بحق إبداعا خلاقا وذاكرة تاريخية وثقافة مجتمعية تعبر "عن الشخصية المغربية؛ والتغني بما يختلج في نفوس المغاربة من مشاعر دينية ووطنية وعاطفية" كما جاء في الرسالة الملكية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس لأمين السر الدائم لأكاديمية المملكة بمناسبة إصدار ديوان الشاعر التهامي المدغري في 18 مارس 2010. إننا في حاجة اليوم لتحصين هذا التراث الثقافي صَوْنًا للهوية الثقافية المغربية المتعددة في إطار ثوابت الأمة الضامنة لوحدتها. إنها مسيرة بدأت منذ عقود بتأسيس دراسة الأدب المغربي على يد عميده الأستاذ الجليل د عباس الجراري، والذي اعتبر شعر الملحون جزءا لا يتجزأ من هذا الأدب، وآمن إيمانا راسخا بضرورة الكشف عن خباياه ودراسته والمحافظة عليه من الضياع. ويجب علينا اليوم بموجب حق المواطنة الإسهام في هذه المجهودات ودعمها وتدليل كل الصعاب التي تعترضها في نأي عن كل مآرب شخصية وحسابات ضيقة. ذ. عبد الإله جنان باحث في شعر الملحون آزمور في 01 فبراير 2018