أزمور انفو 24: بقلم عبد الكريم جبراوي

لكل حدث وقائعه وتجلياته ، ولكل حدث تبعاته ونتائجه ، كما لكل مستجد تحمله الأخبار من هنا أو هناك نسيج من الحديث يتردد ، وعند هذا التردد يتولد صدى الخبر ، فيكون رجع الصدى نتيجة لخبر الحدث…

كالنار في الهشيم إبان المصيف انتشرت حركة مقاطعة ثلاث منتوجات ، ولا زالت تفاعلاتها ترخي بظلالها على مجريات الأمور بالساحة الوطنية ، مثلما بدأت الأصوات تنادي بضرورة احتوائها كـ” أزمة ” لا يمكن التنبؤ بمخرجاتها وتداعيات ذلك على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد ، ولو أن ” المقاطعة ” أمر معاش على أكثر من مستوى تجسده أرقام المعاملات التجارية لأكثر من منتوج ، كما أنها تتجلى أيضا من ممارسات العديد من السياح الأجانب الذين يفدون على متن ” مقطورات ” ينامون فيها فلا يلجون فنادقنا ، ويأكلون منتوجات يجلبونها معهم من بلدانهم فلا يشترون منتوجاتنا بما فيها الوقود والمياه التي يحملونها في خزانات على عرباتهم ، ولا يصرفون أموالا في أسواقنا ، وفي ذلك ” مقاطعة ” غير معلنة ..
والمتتبع عن كثب يرصد مجموعة من الأمور التي يتعين تحليلها وفق رؤية استراتيجية تصون الاقتصاد الوطني وتحقق في ذات الوقت تطلعات شعبية وتنحو نحو واقع جديد أفرزته وتفرزه التطورات المتلاحقة ..
فعلى امتداد الزمن الماضي كان التخاطب والحوار غالبا ما ينحصر ما بين طرفين اثنين : أحزابا وحكومة ، او نقابات مع حكومة ، أو حتى بين تشكيلات من هيآت مجتمع مدني وحكومة ، وتتمخض عن هذا التخاطب والحوار قرارات ملزمة للطرفين يتقيد كل طرف منهما بها ويعمل على تنفيذها والالتزام بها ومن خلال ذلك تهدئة الشارع وضمان السلم المجتمعي ، غير أن قوة الأحزاب السياسية والنقابات وهيآت المجتمع المدني يبدو أنها لم تعد بالفعالية المطلوبة أو بالقدرة الكافية على ” احتواء ” حتى أتباعها ومنخرطيها وتوجيههم التوجيه المجتمعي الصحيح ، مما ترك الباب مشرعا أمام نشوء فئة عريضة يمكن الاصطلاح عليها بـ ” العازفة ” ، وهي الفئة التي صارت تعزف حتى عن المشاركة في مختلف المحطات الانتخابية واستحقاقاتها ووجدت في مواقع التواصل الاجتماعي بديلا لها ومنبرا مفتوحا أمامها لممارسة أنشطتها التعبيرية ، ومن ثم تشكل مكون مجتمعي جديد غير نظامي يقتضي التعامل معه من منطلق استراتيجية غير تقليدية ..
ولعل هذا المكون الجديد من خلال مطالبه الاجتماعية والسوسيواقتصادية ليس بـ” المداويخ ” بحكم الهدف والاستهداف ، وليس من طينة ” الخونة ” الذين ينادون بمنتوج أجنبي بديلا عن المنتوج الوطني ، وليس بـ” القطيع ” من واقع شمولية ضعف القدرة الشرائية وعمومية غلاء الأسعار ووصول مسألة العيش الكريم إلى نقطة لا يحسد عليها عموم المغاربة ، وليس بـ ” المجهول ” على اعتبار أن الرؤية السابقة للحوار كانت – كما سلف الحديث عن ذلك – من ذي قبل مؤطرة تأطيرا حزبيا أو نقابيا أو عبر هيآت للمجتمع المدني ، بل صارت منصات التواصل الاجتماعي مؤطرها الأساسي ومحرك ديناميتها ، وبالتالي فإن هذا الأمر يفرض لزوما التعامل معه كواقع جديد يتوخى ” حوار المنتديات ” العامة المفتوحة في أفق بلورة استجابة للمطالب ضمن ما يعزز تمثيل الإرادة الشعبية واحتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية بالاعتماد على عنصري السياسة والتواصل بعيدا عن لغة ” لي الذراع ” سواء من هذا الجانب أو ذاك ..
ثم إن موضوع ” مراجعة ” الأسعار أمر ليس شكلا من أشكال ” إحناء ” الرأس تحت ضغط الشارع الجديد ، وإنما هو قمة ” الرشد ” التدبيري وقمة ” التعقل ” في التعامل مع هذا المستجد قوامه ” التفاعل ” و” الاستجابة ” و ” الاحتواء ”
عبد الكريم جبراوي
[email protected]