ازمور انفو 24  انجاز: عدنان حاد
مازال الحديث عن تاريخ دكالة، و إعادة استكشاف شيء من تاريخها امرا مطلوبا، و خصوصا ما يتعلق بمناطق محددة، مثل منطقة بوحمام، إذ ما أحوج الناشئة من أبناء هذه المنطقة للتعرف على ما سطره فيها السابقون بالفعل أو العلم، و إعادة كتابته.-
/-المجـــــال الطبيعـــــــــــــي
تقع جماعة بوحمام بسهل سيدي بنور ، على بعد 6 كيلومترات من مدينة سيدي بنور في اتجاه مدينة خميس الزمامرة، عبر الطريق الوطنية رقم 202 و تعتبر جماعة بوحمام من أحدث الجماعات باولاد بوزرارة الجنوبية، و ذلك لكونها تأسست بعد فصلها عن جماعة العطاطرة ، التي كانت ساكنة بوحمام تابعة لها، و ذلك سنة 1992 م. و تمتد الجماعة اليوم على مساحة تقدر بحوالي 160 كلم مربع، يحدها شمالا جماعة المشرك، و جنوبا جماعة كريديد، و جماعة العطاطرة شرقا، ثم من الجهة الغربية
جماعة سانية بركيك أما من الناحية التضاريسية فيغلب عليها طابع الانبساط، وهذا حال دكالة
عموما، كما تعتبر منطقة فلاحية بامتياز، إذ تقع في سهل يتميز بالغنى على المستوى الفلاحي، خاصة الجانب المتعلق بالتربة،”أما الجزء المتصل بالساحل فيميل إلى الطابع الرملي ويصلح لزراعة الأشجار. و تغطي التربة السوداء باقي السهل، و على كل حال يحتوي السهل على إمكانيات كبرى على الأقل في ما يخص التربة” و”نلاحظ بدكالة كل خصائص المناخ المتوسطي: حرارة و جفاف في الصيف،
و رطوبة و برودة في الشتاء. إلَا أن عاملان يتدخلان بالطبع: عامل الموقع بالنسبة لخطوط العرض، و البعد أو القرب من البحر. و لهذا فدرجات الحرارة أعلى من المناطق الشمالية، في حين أن كمية التساقطات أقل. ونلاحظ نفس الشيء بالنسبة لمناطق دكالة نفسها: فدرجات الحرارة تعرف مدى حراريا مرتفعا كلما اتجهنا نحو الشرق أو الجنوب. و لهذا تتوصل الوليدية ب 292 ملم في حين أن كمية التساقطات باسفي تصل في المعدل الى 223 ملم، و في الداخل تصل هذه الكميات الى 223 ملم بخميس الزمامرة و 226 ملم بسيدي بنور.” نستنتج من خلال النص أن منطقة دكالة عموما يسود فيها المناخ المتوسطي. و هذا الامر ينطبق كذلك على جماعة بوحمام، التي تعرف تباينا في درجات الحرارة، و كمية التساقطات.
وتقع غابة بوحمام بسهل سيدي بنور ، على بعد 13 كيلومتر من مدينة سيدي بنور نفسها، عبر الطريق الوطنية رقم 202 الرابطة بين مدنتي سيدي بنور و خميس الزمامرة، بينما تقع ضاية فرطواو غرب مركز جماعة بوحمام، أما ضاية ورار فتقع بسفح الجبل الأخضر، و هي تابعة ترابيا لجماعة بوحمام ، على بعد 3 كيلومترات من مركز الجماعة. وقد جاء تكوين هذه البحيرة، بفضل العيون الكثر ة التي تنبع من الجبل الأخضر كما في قول أحمد بوشرب” أعطت عيون الجبل الأخضر نهرا كان يصل أم الربيع، كما أكدت دراسة قام بها العالم الجيولوجي )برايق(، كما أحدثت بحر ة كبر ة عند سفحه، كانت دائمة، و اليوم مؤقتة )ورار(، و قد و وقف كل من الوزان و مارمول على هذه البحيرة و ذكرا كثرة سمكها” و هي اليوم شبه جافة .
/-العنــــصر البشـــــــري:
إن هيمنة العنصر العربي و اللغة العربية على دكالة، لا يعني أن أصل سكان هذه المنطقة هو عربي وحد، بل على العكس من ذلك، فقد أجمعت المصادر التاريخية على أنها معمرة مند القديم بالبربر ثم استوطنها العرب بعدهم، حيث اندمج الاثنان معا. و الحديث عن دكالة يعني الحديث عن قبائل عديدة و ذات كثافة سكانية، و من ضمن هذه القبائل نجد قبيلة أولاد بوزرارة.
و تعتبر بوزرارة من العرب الذين وفدوا على المغرب في عدد قليل مع قبائل بني هلال، حيث أدخلهم الموحدون الى دكالة فاستوطنوها بصفة نهائية. و حسب التقسيم الإداري الحالي أصبحت المنطقة مقسمة إلى قسمين:
– أولاد بوزرارة الجنوبية، تضم: أولاد رحال، أولاد امسلم، أولاد جابر، البراكة، أولاد طويرة، الحلالفة، القواسم، مسناوة، أولاد سليمان، ثم أولاد فقر ة.
– أولاد بوزرارة الشمالية، تضم: بني عامر، الشراردة، أولاد سي بويحي، بني هلال.
و تضم القبيلة أكثر من جماعة، جماعة بوحمام ، جماعة المشرك، جماعة سانية بركيك، جماعة أولاد عمران، جماعة الغنادرة، جماعة العكاكشة، جماعة العطاطرة.
و قد عرفت جماعة بو حمام نموا ديمغرافيا سريعا، حيث وصل عدد سكانها حسب احصائيات سنة 2008 الى 20380 نسمة. و هذا العدد كان خلال سنة 1998حوالي 22801 نسمة. هكذا يبدو واضحا أن جماعة بوحمام تمتد على مجال يتوسط دكالة، و ينتشر في قبيلة أولاد بوزرارة، و أن الساكنة التي عمرت المجال في البدء أمازيغية قبل أن يحل بها العرب.
فماذا عن المجال الصوفي للجماعة؟
1/ . زاوية الشيخ سيدي محمد المسناوي
2/ . سيدي سعيد المشترائي الدكالي الوراري
3/ . أولياء في طي النسيان
و هكذا سنتحدث عن الزاوية الموجودة بالمنطقة و هي الزاوية المسناوية، بالإضافة إلى الأضرحة المنتشرة بالمنطقة.
1/ . زاوية الشيخ سيدي محمد المسناوي
* نسب سيدي محمد المسناوي
يختلف النسابة في تحديد نسب الشيخ محمد المسناوي، فهو عند البعض “سيدي محمد بن محمد بن أحمد”، أما وثيقة نسب العائلة فإنها تجعل والده أحمد، و تجعله شريف النسب المنتمي إلى نسب مولانا و حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم. و هذا الأمر يتضح جليا من خلال شجرة العائلة، فهو”سيدي محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عزيز بن حادة بن نصر بن سليمان بن حسن بن عبد الجليل بن
أحمد بن الخضر بن منصور بن يعقوب بن علال بن عبد الرحمان بن ر ح بن لحسن بن عبد الله بن أحمد بن إدريس بن عبد الله بن الكامل بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.”
.* حياة الشيخ سيدي محمد المسناوي
ولد سيدي محمد المسناوي بقلعة السراغنة، من أب يعد بدوره وليا صالحا، هو محمد تمسنة. و قد قضى سيدي محمد المسناوي مدة من الزمن بقلعة السراغنة حتى بلغ سن الرشد، بعد ذلك رحل صوب منطقة عبدة.كان وراء رحيله قصة كما يقول أحفاده، و هذا نص القصة:” كان أبوه يخاف
من زوجته، و ذات مرة أخد أبناءه بعيدا، وقال لهم سأريكم شيئا، و طلب منهم ألا يخبروا أمهم، بدعوى أنه إذا أخبرها أحد منهم فإنهم سيتفرق بعضهم عن بعض، و يصبح كل واحد في مكان دون أن يعلم به الأخر، فوافقوا على ذلك، على أن يشاهدوا ما هو فاعل، و ألا يخبروا أحد. فوضع الأب رداء عبارة عن سلهام، على كتفيه، و طار كعصفور صغر في السماء فتعجب به الأولاد، لكن لسوء الحظ ستعلم الأم بالأمر، فتفرق الأولاد كما قال الأب” . هكذا ذهب أحدهم إلى عبدة، و الثاني إلى دكالة، وبقي أحدهم بالسراغنة، و كان سيدي محمد المسناوي قد ذهب أولا إلى عبدة، حيث بدأ بحفظ القرآن الكريم، لكنه لم يعمر طويلا بالمنطقة، حيث إتجه صوب منطقة دكالة. و فيها استطاع
إتمام حفظ القرآن الكريم،و تزوج زوجتين، أنجبتا له سبعة أبناء،لم تذكر المصادر التاريخية أسماءهم، و بمناسبة ولادة أول مولد أهدى له دوار أولاد احمد قديما )الماريد حاليا( قطعة أرضية هي الآن في ملك دوار مسناوة . بعد أن أتم حفظ كتاب الله، أصبح الشيخ فقيها يعلم الأطفال الصغار القرآن
الكريم بمسجد أولاد أحمد، و يرعى أسرته إلى حين وفاته بدوار مسناوة. و لا نعرف
شيئا عن تاريخ و فاته. أما ضريحه فيوجد بمقبرة سيدي محمد المسناوي، بعيدا عن زاويته بحوالي كيلومتر واحد.و الضريح عبارة عن حوش تتوسطه قبة الولي، بابها على شكل قوس، كما يوجد داخل القبة قبر الولي سيدي محمد المسناوي، الذي وضع فوقه سياج من حديد، و غطي بثوب أخضر، و أرضيته مكسوة بالزليج. أسس سيدي محمد المسناوي زاويته الشهر ة بدوار مسناوة وسط صقع دكالة، خلال القرن السابع عشر، و التي أسسها بهدف تحفيظ القرآن الكريم و تلقين قواعد
التجويد و الترتيل لأبناء المنطقة. و كان سيدي محمد المسناوي، زيادة عن كونه إمام مسجد دوار أولاد أحمد، يقوم بتعليم الطلبة الحاملين للقرآن الكريم، العلوم الدينية و التصوف، و منها علوم القرآن،
أحكام الحديث، و السير ة النبوية، بالإضافة إلى ذلك كانت زاويته مكانا للعبادة، حيث تقام بها الصلوات الخمس، و صلاة الجمعة، و ترديد الأذكار في كل الأوقات خاصة بعد صلاة المغرب.
بعد وفاة سيدي محمد المسناوي، تعطل الدور التعليمي للزاوية، بسبب إهمال القائمين عليها بعد شيخها، و عادت مسجدا لإقامة الصلوات الخمس و صلاة الجمعة. و قد استمر هذا الوضع إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين عودة الفقيه القاضي أحمد بن التهامي المسناوي، المزداد عام 1239 ه، من فاس و حصوله على العالمية عام 1202 ه / 1442 م، الذي أعاد الزا وية إلى سابق عهدها، و ذلك من خلال حرصه على عودتها للقيام بدورها التعليمي و الإنساني. حيث درس بها مختلف العلوم
الشرعية، زيادة على إيواء الطلبة، و التكفل بمؤونتهم، إلى أن توفي سنة 1268 ه. من بعده تولى ابنه سي الحسن تسير المدرسة، و التدريس بها إلى أن وفته المنية حوالي 1998م.
أما الآن فقد تعطل دورها من جديد، وعادت مسجدا لإقامة الصلوات الخمس، و صلاة الجمعة.
كان تسير هذه الزاوية منذ عهد سيدي محمد المسناوي، من قبل شيوخها، الذين كانوا يسهرون على راحة طلبتهم، حيث يقومون بمؤونتهم و تدريسهم، احتسابا لوجه الله تعالى، و قياما بالرسالة المنوطة بهم. وتتوفر الزاوية المسناوية اليوم على مجموعة من المرافق، الخاصة بالعبادة، و التدريس، و الخاصة كذلك بالطلبة الموجودين بالزاوية بهدف التحصيل، و إتمام حفظ القرآن الكريم، فهناك المسجد، و غرف لسكن الطلبة، و بيت للوضوء. و هناك مشروع لتجديد الزاوية من قبل السيد أحد الدهاجي و السيد عبد
اللطيف معبود الله، و ذلك لإحياء أمجاد الزاوية المسناوية، وإستقطاب أكبر عدد من الطلبة.
لكن هذه الفكرة مازالت حبرا على ورق.
2/ . سيدي سعيد المشترائي الدكالي الوراري
1/- نسبه
يختلف النسابة في تحديد نسبه، فهو عند بعضهم “سيدي سعيد بن محمد بن علي المشترائي الدكالي” ، و عند البعض الأخر “سيدي سعيد بن القاسم الدكالي المشترائي” ، بخذف اسم محمد وإضافة إسم القاسم الملقب بأبي سجدة، دفين سور الحجر على مقربة من جامع الكتبية بمراكش.أما وثيقة نسب العائلة فإنها تجعل والده عثمان، و تجعله شريف النسب. المهم في الأمر أن المقصود لديهم جميعا هو سيدي سعيد المشنزائي أو المشترائي الدكالي، “بنون بين الشين المعجمية و الزاي” ، و المتفق لديهم أنه من أسرة القواسم المشترائية الدكالية، نسبة إلى جدهم الأكبر المسمى القاسم دفين درعة في محاميد الغزلان. و قد خلف الجد ثلاثة أبناء هم: عثمان والد سيدي سعيد التوفي بورار دكالة، و أبوبكر دفين القواسة ، ومحمد دفين زاوية القواسم باولاد افرج، و هم أعمام سيدي سعيد.
و يعتبر سيدي علي بن القاسم أشهر متصوف في البيت المشترائي، و الذي تحدث الكانوني عنه و عن بيته قائلا:”بيت قديم المجد تعدد فيه الرجال و الشيوخ و المرشدون، كالشيخ أبي ينور عبد الله بن وكريس المشترائي صاحب الضريح الشهر بدكالة، و الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن هلال المشترائي دفين شاطئ البحر، و الشيخ أبي الحسن بن القاسم الملقب بأبي سجدة من أهل القرن العاشر. و حفيده الزعيم أبا الفداء بن سعيد القاسمي صاحب الزاوية الشهير ة على مقربة من الجديدة، و كانت وفاته أواخر المائة الحادية عشرة للهجرة” . نستنتج من خلال هذا النص أن البيت المشترائي قديم الوجود بدكالة، و يرجع إلى ما قبل العهد المرابطي، و أن أول من اشتهر منهم بدكالة، هو سيدي علي بن القاسم، كما جاء في دوحة الناشر اإبن عسكر:”و منهم الشيخ الصالح ولي الله تعالى
أبو الحسن علي بن القاسم السنجائي المعروف بأبي سجدة، فكان كبر الشأن، و كان إذا دخل على ملوك وقته لا يزيد في تحيتهم شيئا عن لفظ السلام، و يغلظ لهم في القول إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أخد عن الشيخ أبي يحي التبار من بني أمغار” . و فيما يلي و ثيقة نسب سيدي سعيد المشترائي الدكالي، و هي محفوظة لدى السيد عبد اللطيف، إمام مسجد القواسم ورار:
يعتبر سيدي سعيد أحد أبرز الصلحاء، و الفقهاء بمنطقة دكالة، الذين ساهموا في حث الناس على الجهاد ضد البرتغاليين، تزوج من إمرآتين إحداهما شريفة” و الأخرى عامية، تسمى الأولى لالة عائشة و الثانية لايعرف اسمها، و التي طلقها فيما بعد. و يقال إنه عندما كان مسافرا لإحدى المناطق أصاب الجوع كل مريدي زاويته، إلى حين عودته، و كان يساعد المحتاجين و يطعمهم من نفس طعام بيته حتى في أشد الظروف، مثل المجاعة و الجفاف، الشيء الذي يدل على أن الرجل كان شديد العناية بطلاب زاويته، و مريدها، و كثر الحرص على مساعدة الضعفاء و المساكين. خلف سيدي سعيد أربعة أبناء هم: العربي، محمد، علال، اسماعيل، و قد كان أبا صالحا محبا لأبنائه. و قد غادر أبناؤه الزاوية، و أنشؤوا زاوية غير بعيدة عن زاوية أبيهم، اختاروا لها اسم زاوية سيدي إسماعيل، على اسم الابن الرابع لسيدي سعيد، و هو إسماعيل، الشيء الذي أثر سلبا على زاوية سيدي سعيد. بعد وفاة الشيخ اسماعيل، حظيت زاويته بشهرة واسعة بدلا من الزاوية الأم التي أصبحت مزارا و محجا للناس بهدف التبرك فقط.
.2 مدرسة سيدي سعيد المشترائي الوراري
تعرف أيضا بزاوية “القواسم ورار”، تقع في الجنوب الغربي لمدينة سيدي بنور، و تبعد عنها بحوالي عشرين كيلومترا، و هي تابعة لجماعة بوحمام، يحدها شرقا جماعة العطاطرة، و شمالا جماعة المشرك، و غربا سانية بركيك و الغنادرة، و جنوبا أولاد عمران و كريديد. لم تخلوا حياة سيدي سعيد من الجانب التعليمي و الثقافي، إذ تنصف زاويته من أبرز زوايا التصوف في منطقة دكالة، إضافة إلى كونها مدرسة تلقن فيها العلوم الشرعية، يهم إليها الطلبة من أماكن و مداشر متعددة من المغرب، حيث كانوا يقيمون في الزاوية، في حين يتكلف سيدي سعيد بكل حاجياتهم الغذائية، و يسهر بنفسه على تربيتهم و تعليمهم كافة العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم، و يحرص على ضرورة تحصيلهم الجيد.
إلى جانب التربية و التعليم، كانت المدرسة مركزا حربيا و جهاديا ضد المستعمر، تلقن مرتاديها كافة فنون الحرب و الرماية.
.2 جهاد سيدي سعيد المشترائي الوراري
كانت زاوية سيدي سعيد مركزا هاما لتدريب المجاهدين، لمواجهة الاحتلال البرتغالي. كما تؤكد المصادر التاريخية على أن سيدي سعيد كان “أحد زعماء حرب البرتغال بالجديدة، فكانت حضرته بمثابة مدرسة حربية ” . ولكن رغم قوة سيدي سعيد الجهادية، فإن الإستعمار البرتغالي تسلل إلى المنطقة و حاصر زاويته، حينها قام سيدي سعيد بسد عين مائية بجانب الضريح، و”التي كانت تزود ضاية ورار بالمياه”. و رحل بعيدا، و أنشئ زاوية أخرى للحرب، لأنه رفض الخضوع للبرتغالين، إلى جانب مجموعة من شيوخ الزوايا الذين ذهبوا من زواياهم التي احتلها البرتغاليون، رافضين الخضوع لهم، “و لكنهم لم يبتعدوا أكثر عن ديارهم أو هجرها، لكنهم أقاموا زوايا أخرى للدفاع عن أنفسهم و محاصرة البرتغاليين، و منها زاوية سيدي سعيد بين سيدي بنور و اخميس الزمامرة” . و هكذا فإن زاوية سيدي سعيد كان لها حضور مهم في ميادين مختلفة، اجتماعية، دينية، جهادية، تعليمية، ما ساعد على استمرار ذكر سيدي سعيد المشترائي، رغم إندثار زاويته. و لعل وجود هذه الزاوية إلى جانب الزاوية المسناوية قي المنطقة دليل على أهمية موقعها و مجالها الجغرافي و البشري و الاقتصادي أيضا. كما يوجد داخل القبة قبر الولي سيدي سعيد، الذي وضع فوقه سياج من حديد، و غطي بثوب أخضر اللون، و أرضيته مكسوة بالزليج.
أولياء في طي النسيان
إلى جانب الزاويتين المذكورتين، عاش في المنطقة أولياء آخرون هم:
.1 سيدي محمد بن الشريفية:
يقع ضريحه بدوار القواسم، التابع إداريا لجماعة بوحمام، و هو لا يبعد اكثر عن ضريح سيدي سعيد المشترائي الدكالي إلَا بامتار قليلة. لكن الأخر اكتسب شهرة كبر ة بالمقارنة مع سيدي محمد بن الشريفية.
.2 سيدي البغدادي
هو سيدي البغدادي بن سيدي أحمد السايح، ولد بدوار شرقاوة، و حفظ القرآن الكريم على يد أبيه، رفقة أخويه: سيدي المعطي و سيدي صالح، ثم أتموا تعليمهم بمدينة فاس العتيقة، حتى وفته المنية بنفس المدينة، وتم نقل جثامينهم إلى دوار الشراعبة مكان دفنهم.
و الضريح عبارة عن قبة، بابها من حديد، و سقفها مزخرف باربعة أقواس. أما أرضية القبة و مكسوة بالزليج، و يتوسطها أربعة قبور، لسيدي البغدادي و أبنائه الثلاثة.
.3 سيدي محمد النايم :
يقع ضريحه بدوار أولاد رحال، التابع إداريا لجماعة بوحمام، و هو يبعد بحوالي سبعة كيلومترا عن مركز الجماعة. و الضريح عبارة عن قبة، يتوسطها قبر الولي سيدي محمد النايم، الذي غطي بثوب أخضر اللون، و بابها على شكل قوس.
.3 سيدي محمد بن أحمد:
يقع ضريحه بدوار الشهوبة، الواقع غرب مركز جماعة بوحمام. و يوجد الضريح فوق تل يشرف بدوره على إحدى المعالم الطبيعية الموجودة بالمنطقة و هي ضاية فرطواو.
.4 سيدي علال
يقع ضريحه بدوار العكلة، التابع لجماعة بوحمام، و خضع الضريح مؤخرا لمجموعة من الإصلاحات، و ذلك من خلال إعادة بناء قبة جديدة، بدل الأولى التي تعرضت للانهيار بفعل التقادم.
.5 سيدي بوعائشة
يقع ضريحه بدوار أولاد الحاج الطاهر، الواقع جنوب جماعة بوحمام، عبر الطريق الرابطة بين مدينة سيدي بنور و جماعة أولاد عمران.
.6 سيدي الطالب بن علي
يقع ضريحه بدوره بدوار مزاوير، على مقربة من دوار أولاد الحاج الطاهر. و هو أيضا يدخل ضمن المجال الترابي لجماعة بوحمام.
.7 سيدي بوعنان
تقع قبته بدوار أولاد بوشتى، الذي يبعد بحوالي عشرة كيلومترات عن مركز جماعة بوحمام، و هي تقع على تل بجانب غابة بوحمام
.8 سيدي بولمى
يعد هذا الولي من أولياء جماعة بوحمام، و هو دفين دوار التعاونية، على مقربة من الطريق الرابطة بين سيدي بنور و أولاد عمران. و كباقي أولياء المنطقة، فإن ضريح سيدي بولمى عبارة عن قبة، بابها على شكل قوس. و أمام الضريح توجد قبة لدفن الموتى.
9 .سيدي معروف
يقع ضريحه بدوار يحمل اسمه، و هو دوار سيدي معروف، الواقع على الحدود الغربية بين جماعتي بوحمام و جماعة سانية بركيك.
10 .حوش سيدي الحاج الحسن
يعد الولي سيدي الحسن من أولياء دوار مسناوة، وضريحه يقع بنفس المقبرة التي يتواجد فيها سيدي محمد المسناوي، لكن هذا الأخير اكتسب شهرة واسعة. أخر ا يبدوا واضحا أن جماعة بوحمام تزخر بمعالم الصلاح بشتى أشكالها : زوايا، أضرحة، قبب و أحواش. و يبدو أيضا أنها تنتمي إلى مختلف العصور، كما تتوزع في مختلف نواحي المنطقة.
1/ . زيــارات المـــزارات
. المـــواســـــم
تشهد جماعة بوحمام طوال السنة، مجموعة من الأنشطة الثقافية و الاجتماعية و الدنية، تكون المزا رات المنتشرة بالمنطقة مسرحا لها. و نحاول من خلال هذا الفصل التطرق إلى بعض مظاهر تلك الانشطة.
. زيارات المزارات
لعل أبرز المزارات نشاطا هي: ضريح سيدي محمد المسناوي دفين دوار مسناوة، و ضريح سيدي سعيد المشترائي الدكالي الوراري دفين دوار القواسم ورار.
ويحظى ضريح سيدي محمد المسناوي، بزايارات مكثفة، و يعتبر مقامه أكثر المقامات بجماعة بوحمام استقبالا للزوار، و هكذا يشهد ضريحه كل يوم خميس وفود العديد من الزوار، من مناطق بعيدة بهدف التبرك أو الاستشفاء من مرض ما، آكان عضويا أم نفسيا، إذ رغم وفاته، مازال الناس يتدالون عنه كرامات شتى، في شأن الاستشفاء من بعض الأمراض، خاصة ما يعرف لدى سكان المنطقة “بالعروسة”. وفي هذا الصدد يمارس القائمون على الضريح مجموعة من الطقوس، قصد مساعدة المريض على الشفاء من مرضه، و كمثال على هذه الطقوس، نجد الفقيه )الحفيظ( يضع الزيت الدافئ على وجه المريض، و يمسح بيده على وجهه، ثم يدخل المريض في غرفة خاصة موجودة بجوار
الضريح، دون أن يراه أحد، أو حتى يرى نفسه في الماء أو المرآة لعدة سبعة أيام، فيتم شفاؤه بإذن الله. و هناك أيضا بعض الأمراض التي تتطلب من المريض البقاء في الضريح أربعين يوما كاملا: داء الكلاب الذي يعرف انتشارا و اسعا في المناطق القروية. و كان ضريح سيدي سعيد المشترائي الدكالي الوراري، و مازال مقصدا للعديد من الزوار الباحثين عن قضاء بعض المصالح الدنيوية. ولعل أشهر قصة يرويها سكان المنطقة عن هذا المزار، هي قصة المتعاهدين اللذين اتفقا على الصلح، و على ألا يغدر أحدهما بالأخر، داخل قبة الولي، لكن أحدهما نقض العهد فأصيب بمرض خبيث بين كثفيه، و هو مرض يعرف لدى أهل المنطقة //بالشهدة//.
و يحظى ضريح سيدي سعيد بدوره بزيارات مكثفة من طرف العامة، فالمريض يقصده بهدف الشفاء من مرضه، أما البقية فتقصده بهدف التبرك من مقامه و تربته. و هكذا يشهد ضريحه وفود العديد من الزوار من مناطق بعيدة. رغم مرور أربعة قرون على وفاته، مازال الناس يتداولون عنه مجموعة من الكرامات، لعل أبرزها: التبرك من مقامه و تربته، شفاء بعض الأمراض، عضوية كانت أم نفسية، قضاء بعض المصالح الدنيوية، مثل زواج الفتيات، التخلص من سوء الحظ، فقدان الأمل في الإنجاب.
. المــــواســــم
تحتضن جماعة بوحمام كل سنة موسمين:
.1 موسم سيدي سعيد دفين القواسم ورار:
يقيم هذا الموسم أحفاد سيدي سعيد و هم القواسم، احتفاء و تخليدا لذكرى جدهم، في دوار القواسم، و بالضبط بجوار ضريح سيدي سعيد المشرف على ضاية ورار. و يقام كل سنة من السادس إلى التاسع من شهر شتنبر. و تتضمن فقرات هذا الموسم عروضا في الفروسية )التبوريدة(، حيث شارك في هذا العرض الموسم الماضي حوالي تسع “سربات”، واحدة نسوية، و ينحدر معظم الفرسان من مختلف الدواوير التابعة لجماعة بوحمام، التي تشرف على تزويد الفرسان بالذخير ة )البارود(.
إلى جانب عروض الفروسية، تتخلل الموسم مجموعة من الأنشطة الدينية و الاجتماعية.
فعلى المستوى الديني يتم إحياء ليالي دينية، حيث يقوم حملة كتاب الله بقراءة القرآن الكريم، و التغني بالامداح النبوية طوال الليل، بالإضافة إلى المواظبة على الصلوات. و يستمر هذا الحال طيلة أيام التظاهرة. أما على المستوى الاجتماعي فتقوم اللجنة المنظمة، بعمليات ختان جماعية لأطفال المنطقة، وتتحمل ما يترتب عنها من أدوية و ما إلى ذلك. أما على المستوى التنظيمي فهناك عدة فعاليات من
أبناء الدوار و أبناء المنطقة المناطق المجاو رة، يحملون عبء مسؤوليات الموسم، و يسمون بخدام الموسم، و هم أولاد ابن الشاوي، أولاد سعيد بسطات، و أولاد بوعزيز، و أولاد سليمان، و أولاد فرج، أولاد طويرة، أولاد بوزيري بالشاوية. في الأخر يشكل موسم سيدي سعيد ثراثا ثقافيا و حضاريا، وجب الاهتمام به. بالإضافة إلى كونه يشكل حركة اقتصادية بالمنطقة طيلة أيام التظاهرة، حيث يحج إليه، إلى جانب الزوار، الباحثون عن الفرجة و الاستمتاع، الباعة الذين يعرضون منتوجاتهم، خاصة المتعلقة بالصناعة التقليدية.
2.موسم سيدي محمد النايم باولاد رحال:
يعتبر موسم سيدي محمد النايم واحدا من أهم التظاهرات الدينية و الثقافية على صعيد إقليم سيدي بنور. و يحتضن دوار أولاد رحال فعاليات هذه التظاهرة، خلال شهر شتنبر من كل سنة.
و تتوزع المظاهر الاحتفالية للموسم بين الأنشطة الدينية بضريح سيدي محمد النايم، و المسجد التابع لدوار أولاد رحال، و الأنشطة الاحتفالية المتمثلة في عروض الفروسية )التبوريدة(، و الحفلات الموسيقية يحييها نجوم الفن بالمنطقة. و يحظى موسم سيدي محمد النايم بإشعاع محلي كبر ، أمام الركود الذي تعرفه المنطقة طيلة السنة، مما يجعله تجمعا استثنائيا، خاصة و أنه يصادف انتهاء
عمليات الحصاد. في الأخر تشكل هذه التظاهرة فضاءً للترفيه و الاستمتاع بالمناظر الخلابة التي تتوفر عليها المنطقة، بالإضافة إلى كونها تساهم في تحريك عجلة الحركة الاقتصادية، حيث يشهد الموسم عرض العديد من المنتوجات التقليدية محلية الصنع في وجه الراغبين في اقتنائها.
و هكذا يبدو أن حضور الأضرحة في الحياة المجتمعية للسكان بالمنطقة مهم جدا، و لاسيما على المستوى الثقافي، و لازالت تلك الأضرحة مقصودة بالزيارة، فرادى و جماعات.
وفي الأخير نلاحظ ان منطقة دكالة تزخر بتراث ثقافي متنوع يجب العناية به بمساهمة وزارة الثقافة في اطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبشراكة مع المجلس الإقليمي و العمالة لتوثيق هدا التراث.