ازمور انفو 24 بقلم :عبد الكريم جبراوي.

تنامت ظاهرة الغش في الامتحانات ، وتصدرت معها الأخبار عن ضبط حالة غش هنا وهناك ، مع ما اتخذ ويتخذ من إجراءات زجرية في حق كل من تم ضبطه متلبسا ..

ولعل الجميع يتساءل : هل الظاهرة جديدة وما طبيعة جدتها ؟ وما السبيل للحد منها ومحاصرتها قبل إمكانية القضاء عليها ؟ ..

ظاهرة الغش في الامتحانات ليست وليدة اليوم ، فلها تاريخ ممتد مع تغيير في الشخوص وتغير الظروف والارتباطات ، وأيضا تطور في الوسائل والمعينات .. فهي التحايل للحصول على شيء دون موجب استحقاق وبأقل كلفة وجهد ، تستمد ” مرجعيتها ” من واقع معاش ، وهو الواقع الذي فرضته ما يصطلح عليها بـ” الزبونية ” و ” المحسوبية ” التي جعلت الحصول على الشيء ممكنا بالتحايل أمام انسداد الآفاق أمام التنزيل الحقيقي لدولة الحق والقانون ، وليصبح نوعا من الاتكالية العامة والمريحة لاستصدار حق على غير استحقاق ، وهذا في حد ذاته ” سلوك ” مكتسب بالتربية المباشرة وغير المباشرة ، لأن الطفل في بلدنا ينشأ على الغش منذ صغره ، حيث يكون لجوءه إليه بفعل الخوف من الأبوين أو من الإخوة الأكبر سنا منه أو من الأقران أو من الأستاذ في الفصل الدراسي

فهو يتعمد الغش وسيلة من خلال التعود على الكذب والتزوير احتماء أو طلبا لحماية ، ويعتمده وسيلة من خلال الإخفاء خوفا أو تخوفا ، ووسيلة من خلال التظاهر بحالة ما استعطافا أو طلبا للرأفة والتضامن … أما في الفصل الدراسي يستثمره لتحقيق التفوق والنجاح ، هذا الاستثمار والاستغلال الذي ما كان له لأن يكون لو أن البرامج الدراسية نفسها ارتقت من صيغتها التقليدية الجامدة إلى صيغة تواكب العصرنة التي صارت تطبع كل مناحي الحياة ، ومنها الحياة المدرسية التي لا تزال تحتفظ بالمنهج التلقيني بطرق متنوعة بعيدا عن المناولة والتجريب والتفاعل والاستنباط في تحصيل الكفاية المعرفية المطلوبة والمهارات المتوخاة ، وهو ما يقتضي بالتالي اختبار التلاميذ والطلبة من خلال منهاج اختباري قوامه درجة التمكن من المعلومة أو المهارة وليس مجرد استذكار المعلومة والمهارة واستظهارها بالاستحضار ، وفي ذلك خطوة نحو الحد من ظاهرة الغش من جهة ، ومن جهة ثانية حصر محاربة الظاهرة في إطارها التربوي المحض دون اللجوء إلى آليات هي من صميم التدابير ذات الطابع البوليسي…

أما أن يكون التصدي لظاهرة الغش بالاستناد إلى قوانين تبيح اقتحام حرمة المؤسسة لاعتقال تلميذ قام بعملية الغش أو حاول القيام بها داخل فصل الامتحان ، أو انتظار خروجه من الفصل أو من المؤسسة ككل فإن ذلك من شأنه أن يولد آثارا لا تمكن الإحاطة بها كلها ، ومنها زرع بذور الخوف والصدمة في نفوس من سوف يعاينون لحظات الاعتقال

كما أن الغش باعتباره جريمة في النص القانوني يؤدي إلى ” تخرج ” دفعات جديدة سنويا ممن تصير سيرتهم الذاتية مبصومة بمدة سجنية قد قضوها خلف القضبان وهو ما يؤدي بالتالي إلى ” خلق ” فئات من المجتمع منبوذة وغير مقبول تشغيلها سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص مع ما لذلك من تداعيات وتبعات قد تجعل من هذه الشريحة ” مشروع ” مجرمين في أوساطهم ومحيطهم ، يشكلون خطرا على ذواتهم وعلى كل من يحيط بهم من أسرة وأقارب وجيران ، وقد يمتد ذلك ويتمدد ليطول مساحة أوسع .. كل ذلك في وقت كان من الممكن – ضمن الاختصاصات الواسعة المخولة لوزارة التربية الوطنية – أن تبحث بالاعتماد على أطرها وكوادرها عبر التراب الوطني عن آليات وإجراءات تربوية أكثر فعالية ونجاعة مع التأكيد الشديد على مسألة ما هو تربوي جملة وتفصيلا …
Jabraoui2013​@​yahoo.com