أزمور انفو 24:

 

تشويه اللغة العربية في الإعلام المغربي. كل لغات الكون مقدسة
رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة والاتصال ورئيسة الهيأة العليا للسمعي البصري
أبوالقاسم الشــــبري (باحث أثري)

السيد وزير الثقافة والاتصال المحترم،
السيدة رئيسة الهيأة العليا للسمعي البصري
تحية تقدير واحترام،
سيدتي، سيدي، لقد حررت هذه الرسالة قبل أن يطلع الشعب المغربي على مهازل بعض المقررات المدرسية المدججة بدارجة مغربية سفيهة. ولذلك لا تتناول رسالتي إليكما هذه المستجدات التي سأعود إليها في خطاب آخر، أكثر جرأة. وأرجو أن تقرآ رسالتي هذه بمعزل عن هذه المستجدات الخبيثة. فهذه مواقفي ثابتة أرقني نشرها لعدة سنين وقد أذاقتني أوجاع المخاض.
أما بعد،
أكتب إليكما، للمساهمة في الدخول الثقافي والسياسي، هذه الرسالة المفتوحة عبر وسائل الإعلام لا بغرض التشويش والتشهير ولكن فقط لأن خطابي إليكما موجه عبركما إلى الحكومة والبرلمان وأعلى السلطات وإلى المؤسسات الثقافية والإعلامية والأحزاب والنقابات والجمعيات، والشعب قاطبة. وإلى التاريخ وللتاريخ. هي صرخة ضد تشويه اللغة العربية في الإعلام المغربي بشكل ممنهج وبتخطيط استراتيجي، تخطيط لا يتوفر لبلدنا مع الأسف في السياسات العمومية وتدبير الشأن العام. هي رسالة للتاريخ ضد الانحطاط اللغوي الإعلامي الذي أوصلنا إليه البعض من خلال التخلي الممنهج عن اللغة العربية الفصحى واستبدالها بدارجة عرجاء قيل إنها مغربية بينما يوجد في المغرب ما لا يقل عن ثلاثمائة لهجة/دارجة عربية، تضاف إليها شبكات الدارجة من داخل اللغة الأمازيغية. فعن أية دارجة يتحدثون.
نكتب إليكم اليوم للتنديد باستبلاد الشعب المغربي، ضد استبغال فكر المغاربة. فالدولة التي تحب شعبها تخاطبه بلغة راقية، عالَمية وعالِمة، حتى يتعلمها ويرتقي ولو دون مدرسة، ولا تهبط معه إلى الأسفل بلغة/دارجة مبتورة مشوهة يستحيل أن تمثل بلدا كاملا. وإذا كانت حجة “التدريج” هي أمية الشعب، فكيف لشعب أمي أن يقرأ مقالا أو لوحة إشهارية أو لافتة مكتوبة بالدارجة، بينما الأمي لا يفرق بين الألف والحبل ولا بين الواو و”الزرواطة” ولا بين اللام و”المُقراعة”. وقمة السذاجة هي الادعاء بضرورة انفتاح البلد على العالم بينما يأتونه بلهجة محلية منغلقة مغرقة في الشوفينية والقبَلية الضيقة فلا تفهمها سوى قبيلتين أو ثلاث قبائل من بين مئات من قبائل المغرب. ويوم يتفق علماء المغرب وأكاديمية المملكة على تقعيد واحد موحد للدارجة المغربية الدامجة للأمازيغية والعربية معا، آنذاك يجب استفتاء الشعب في فرض الدارجة المغربية الموحدة في الدستور باعتبارها “اللغة المغربية الرسمية” للبلد، ومطالبة هيأة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو بإدراج “اللغة المغربية” ضمن شبكة اللغات العالمية. وآنذاك تصير اللغة العربية لغة ثانوية، أو حتى أجنبية مثل باقي لغات الأمم الأخرى. في غياب هذا المعطى العلمي الأكاديمي، يكون من قمم البلادة والسذاجة والسخافة والدناءة اعتماد الدارجة في الإعلام وفي المدرسة. ولذلك لم يكن غريبا أن يحمل جاهل ومجهول، ساذج ومسذوج مشروع إطلاق الدارجة في التعليم. ونحن هنا ننطق عن معرفة فكرية سوسيولوجية أنتربولوجية تربوية عميقة.
سادتي، حين تم إطلاق المشروع السخيف البليد لاقتراح اعتماد الدارجة في المدرسة المغربية وتم تجنيد أحد رواد السذاجة لحمله، تصدى الشعب وقواه الحية، بمختلف الأطياف والأيديولوجيات لهذه السخافات. فبدا وكأن المهزلة ستتوقف لكن مع الأسف فقد مضت الدولة بلا استحياء في تمرير “ذكي” لترويج الدارجة عبر مختلف الحوامل والوسائل والوسائط. هكذا وبلا استحياء ولا مراء أخذت كثير من المنابر الإعلامية في تطبيق مشروع الدارجة، فغزت دارجة مغربية خِديجة معطوبة نشرات الأخبار والبرامج الثقافية والوثائقيات والمسلسلات المدبلجة المنفرة والمقززة حتى لدى العامة الأمية، وطلعت كالفطر مقالات مكتوبة، خاصة بالصحافة الإلكترونية لمواقع وطنية عالمية وليست مواقع محلية معزولة لمدن منسية، بل إن مواقع إلكترونية جعلت الدارجة هي دستورها. قبل هذا كله وموازاة معه استحوذت إحدى الدارجات القَبَلية المحدودة على المسلسلات والسيتكومات المغربية وعلى كل الوصلات الإشهارية المرئية والمسموعة والمكتوبة كما لو أن المغاربة صاروا قبيلة واحدة أو قبيلتن فقط. وهذه الدارجة القَبَلية المحدودة إذن لا تمثل قطعا لا المغرب ولا المغاربة. ليس في قولنا هذا أي حيف ولا تحيز، فلهجة ميلانو لا تمثل الإيطاليين وليست هي لغة التلفزات والإذاعات، وفرنسية باريس لا تمثل الفرنسيين، وإسبانية مدريد يرفضها الكطاليون حتى. إن الدول التي تحترم نفسها تسن قوانينا تفرض فيها على كل المنابر الإعلامية تمثيل كل لغات ولهجات وثقافات الوطن وعدم السماح بطغيان هذه اللهجة أو تلك الثقافة الجهوية المحصورة قَبَليا. لكن في المقام الأول فإن هذه الدول الشريفة والمحترمة تفرض على منابرها الإذاعية والتلفزية الخصوصية والعمومية اعتماد نسبة أقل بكثير في استعمال اللغات الأجنبية مقارنة مع اللغة أو اللغات الوطنية الرسمية، ليس فقط في نشرات الأخبار والبرامج الرئيسية وإنما حتى بالنسبة لوصلات الأغاني وفقرات الإشهار وباقي البرامج بدون استثناء، مهما كانت ثانوية. وكل خروج عن هذه القاعدة في كل أربع وعشرين ساعة يتلقى بشأنه المنبر غير المنضبط تنبيها من الهيأة العليا المكلفة بضبط المجال السمعي البصري والإعلامي. على عكس هذه الدول التي تحترم نفسها وشعوبها، يسجل المغاربة كيف أن الهيأة العليا للسمعي البصري في المغرب لا يهمها هذا الموضوع، بل تطلق العنان لمسؤولين إعلاميين تم تنصيبهم ودعمهم ضد إرادة الشعب وضد مداولات ومرافعات الفرق البرلمانية وضد إرادة وزير الاتصال، بل في تحدي سافر حتى لرئيس الحكومة الذي يقتسم دستوريا حكم المغرب مع جلالة الملك.
لذلك نقول دائما إن تشجيع الدارجة لا يمت بصلة إلى مناهج التربية والتكوين والبيداغوجيا ولا إلى علوم التواصل. ولا يحتاج كل ذي عقل راجح، أميا كان أو متعلما، ليتأكد من أن فكرة تدريج التعليم والإعلام تندرج ضمن مشروع إمبريالي صهيوني مُبيت، يفوق مبادئ وتوجهات وتوجيهات علان بن فلان. ولذلك يدرك الشجر والحجر والبقر أن إشاعة الدارجة تخطط وترمي إلى تحقيق ثلاثة أهداف “إمبريالية نبيلة” وهي :
أ- تحييد اللغة العربية من ثقافة الشعب وممارساته اليومية في أفق تحييد الإسلام من ثقافة الشعب ومن معتقده الروحي. فالحرب اللغوية هذه هي مجرد وسيلة لأن الهدف الأسمى من طمس اللغة العربية هو تهميش الإسلام رويدا رويدا في أفق اقتلاعه من مخيال المغاربة بعد قرن من الآن، أو أقل، وفي نفس الوقت يتم تفتيت هوية الشعب المغربي وتماسكه الأسري والاجتماعي والثقافي وهو الشيء الذي يؤرق ذهاقنة وأساطين الأمبريالية والصهيونية المتزوجتين زواجا قدسيا. لن يفهم مغاربتنا اليوم ما نؤكد حدوثه بعد قرن من الزمن أو أقل لأنه يبدو بعيدا وخرافيا، مثلما بدا لأجدادنا في 1830 مع احتلال الجزائر وفي إيسلي 1844 وفي 1859 مع حرب تطوان أن احتلال المغرب مستحيل، لكنه تم في 1912 بحمد الله وعونه وقوته ونعمه. والحرب على اللغة العربية لا تستعمل فيها فقط إشاعة الدارجة، بل تستعمل فيها وسائل التنكيت والبسط وتمريرات “علمية سوسيولوجية وتربوية” لتسفيه العربية والتهكم عليها وعلى أصلها وعلى حامليها. ولذلك ينتشر الاحتقار بالتدريج والبسط والهزل حتى يصبح يوما النطق بالعربية مسألة معيبة، فيستحيي الناس من التلفظ بلغة الضاد. ولا يفوتني هنا والآن تذكريكم بالزلات والأخطاء اللغوية والنحوية التي صار الإعلاميون المغاربة برتكبونها في القنوات المسموعة والمرئية، بشكل مثير للشفقة. حتى “ثلاثة” أضحت “ثلاتة”، بينما صار المرفوع منصوبا والمنصوب مجرورا والمكسور ساكنا أو مرفوعا. وكأني بعربيتنا قد أكلت القرقوبي، وقد كنا نحن المغاربة دوما الورثة الشرعيون الحقيقيون لسبويه والخليل،
ب- تحويل النقاش حول المسألة الأمازيغية، حيث إن إشاعة الدارجة تعني فقط الدارجة العربية. وإن “الفوضى” التي عرفها شارع النقاش العمومي والثقافي والسياسي وصالونات الرباط حول مشروع الدارجة أنست المثقفين والحقوقيين والحركات الأمازيغية مسألة تسريع وتيرة ترسيم الأمازيغية كلغة وطنية وكثقافة حضارية مغربية هي الأصل في هذه الأمة وأملها. لكن ذكاء الإمبريالية المتصهينة جر الغلاة المتطرفين أشباه المناضلين في الحركة الأمازيغية النبيلة الطاهرة لدعم مشروع الدارجة اعتقادا منهم أن تهميش اللغة العربية هو إفساح مجال أمام انفجار لغوي للأمازيغية. لكن الإمبريالية ستأكل شوك العربية بفم الأمازيغية لتلفظ هذه الأخيرة نفسها حين تستفرد بها. واذكروني يوم يحين ذاك اليوم الذي لا ريب فيه،
ج- إعادة اللغة الفرنسية إلى توهجها المفقود وسطوتها الفكرية والتربوية والاجتماعية في المجتمع المغربي المفروض فيه التبعية الشاملة والمندمجة والمستديمة إلى فرنسا، الحبيبة أمنا. هذا التوجه الفرنساوي وذراعه الدعوي اللوبي الفرنكفوني لا يمتح من نفس المعين الذي ننهل منه نحن الفرنكفونيون الشرفاء المؤمنون بالحوار والتآخي والتبادل الفكري والعلمي والاقتصادي والتجاري، ندا لند، على قاعدة النخوة أولا ثم معادلة رابح/رابح. ونحن مع الفرنكفونية العالِمة ونرفض الفرنكفونية الغاشمة والمتسلطة القائمة على التحقير والإخضاع، مقابل العجرفة والاستعلاء. ولذلك نفهم ونتفهم لماذا ترفضنا الدوائر الفرنكفونية الرسمية.
ولأن كل هذه الأمور المتفرقة العبثية متشابكة ومترابطة فيما بينها فإنه مباشرة بعد إطلاق سفاهة مشروع الدارجة في المملكة المغربية الشريفة، على يد سفهاء، سمعنا في نفس الوقت عن بدء تدريس الدارجة المغربية في جامعة تل أبيب أو لنقول تل الحبيب المحتلة. وهذا ليس شرفا للمغرب وتاريخه، لكن الكل طبل لهذه العملية الصهيونية المشبوهة التي سيظهر مرماها ومقتُها مستقبلا، ربما بعد أن نقضي نحبنا نحن هذا الجيل السخيف. فنحن هنا نشجب ركوب الدارجة المغربية من طرف الكيان الصهيوني الغاشم المغتصب لأرض فلسطين كاملة، في حدودها لما قبل 1947. تذكروا أنه حين قامت فرنسا وإسبانيا بتعليم الأمازيغية والعربية لتلامذتهما منذ مطلع القرن التاسع عشر، فلأنهما كانتا تخططان لاحتلال الشمال الإفريقي وليس حبا في الحضارتين الأمازيغية والعربية. وحين ترجمتا وحققتا ونشرتا أمهات مصادرنا التاريخية والفكرية، فقد فعلتا ذلك لتُقدمهما لعساكرها المتأهبين لغزو الشمال الإفريقي. ولو أننا اليوم بكل صراحة شاكرون لفرنسا وإسبانيا فعلتهما تلك لأنهما قدمتا لنا خدمات علمية فكرية جليلة لا تقدر بثمن، ونحن عاجزون اليوم عن مكافأة فرنسا وإسبانيا على خدماتهما العلمية تلك.
ولا ننسى التذكير أن تدريس الدارجة المغربية بالكيان الصهيوني صاحبه في المغرب دعم الإنتاج السينمائي والأدبي والفكري الذي يربط بين الأمازيغ واليهود في خلط سافر وسخيف بين عرق بشري وبين معتقد ديني لا يمكن أن يكون محددا للانتماء العرقي. إذ اليهودية والمسيحية والإسلام وحتى البوذية والزاردشتية والمانوية لا علاقة لها بالانتماء العرقي وبالجنس البشري. هي معتقدات دينية مشاعة بين بيني البشر في كل زمان ومكان مثل الإيديولوجيات السياسية والمدارس الفكرية الفلسفية حيث كل رأس تعجبه طناطنه.

سيدتي، سيدي لقتل القط في يومه الأول، تيمنا بالقول المغربي المأثور، ورفعا لكل لبس ودرءا لتحريف منتحلي الدين وأدعياء الحداثة المعطوبة، أقول لكم إنني هنا أدافع وأرافع عن اللغة العربية ليس باعتبارها لغة دين أو لغة رسالة سماوية. ولا أدافع عن اللغة العربية دفاعا عن الدين لأن للدين نبيه وللدين رب يحميه ولا يحق لأي كان في الكون أن ينصب نفسه في ذاك المقام. أنا هنا فقط من موقعي التاريخي كمثقف مغربي، أمازيغي-عربي – إفريقي، متعدد اللغات المغربية والأجنبية ومستلهم للثقافات البشرية ومآثرها القديمة، مُسلم الفؤاد يساري العقيدة حداثي الهوى علماني الشريعة، أدافع عن اللغة العربية لذاتها، بما هي، باعتبارها لغة مقدسة لذاتها. فالعربية لغة مقدسة حتى قبل نزول القرآن الكريم وإلى أن تفنى سبل الحياة في الكون، ولا يمكن إنكار الإضافة التي أغنى بها القرآن لاحقا لغة الضاد الغنية والثرية والمتجددة. ورغم أن أعداء اللغة العربية هم في نفس الوقت، أو قل إنهم بالأساس أعداء القرآن والإسلام وحضارة المسلمين، فإن ربط الدفاع عن اللغة العربية في ارتباطها الحصري بالقرآن الكريم قد أضر بها كثيرا فيتم تحريف نقاش ثقافي عالي علمي أكاديمي إلى تسفيه وسفسطة ومثالية ويوتوبيا مخدوشة. اللغة العربية مقدسة بقواعدها، بنحوها وصرفها وتحويلها. هي ذي القواعد نفسها التي تجعل كل لغات البشر لغات مقدسة، منذ تقعيد السومرية والهيروغليفية والصينية، على الأقل، إلى نهاية الحياة في الكون. فاليونانية لغة مقدسة والألمانية لغة مقدسة والهاوسا لغة مقدسة والفارسية لغة مقدسة والعبرية لغة مقدسة والكردية لغة مقدسة والكرييول لغة مقدسة والأمازيغية لغة مقدسة والروسية لغة مقدسة والبرتغالية لغة مقدسة، وحتى اللاتينية الميتىة لغة مقدسة. أما الفرنسية فتعتبرها الدولة الفرنسية الرسمية أكثر قداسة من الله ومن أنبيائه ورسله وملائكته. قداسة اللغة، كل لغة، هي ذاك الثابت المتحول، حيث التجديد في اللغة الحية لا يمس قدسيتها. ولذلك فاللغة تبقى مقدسة مهما تطورت وتجددت ومهما اغتنت بروافد لغوية أجنبية.
أنا أدافع عن اللغة العربية واحترام خصوصياتها، كما أدافع عن احترام كل لغات الكون الرسمية وغير الرسمية، السائدة أو المهددة بالانقراض، لغات الأغلبية السائدة ولغات الأقليات. وفي هذا توافقني/تؤازرني المواثيق الدولية الراعية لحقوق الإنسان أولا والحقوق الثقافية واللغوية ثانيا. وعلى رأس هذه المواثيق معاهدات منظمة اليونسكو. وهي المواثيق التي صدق عليها المغرب ولا يحترمها بحذافرها. ففي الأمر بعض التراخي والتحايل مع الأسف. أنا أدافع عن اللغة العربية كلغة آداب وفكر وعلوم وابتكار، باعتبارها ثقافة وحاملة للثقافة، باعتبارها لغة حضارية ولغة حضارة، حضارة أغنت وقدمت الكثير للبشرية وللفكر والعلوم الحقة وهو ما يتم التحايل عليه، بل وطمسه بفعل مخططات إمبريالية صهيونية، في مؤامرة مفضوحة يرفض أهلنا الاعتراف بها، وكثيرون يتماهون معها ونحن نعرفهم. ورفض الاعتراف بالمؤامرة هو عين نجاح المؤامرة وصلب مرماها. أي نعم هناك مؤامرة وأنا أومن بنظرية المؤامرة. وسيفصل التاريخ بيني وبين الناكرين المتنكرين. ولأننا تلاميذ نجباء لزعماء المؤامرة الصهيونية والإمبريالية الراسخة المتجددة، فإن برامجنا التعليمية وإعلامنا لا يحدثوننا عن تلك الحضارة المشرقة ويكتفون بذكر بعض التوافه منها، أو بعض الإشراقات بشكل عرضي ومبتور بحيث لا يفهم التلميذ ولا الطالب ولا المواطن العادي أي شيء. وتعالوا تحت أقدام الأطلس ليحكم فينا، إن كنتم ياقنين. التعتيم هذا يمارس بشكل “عقلاني” ممنهج ضد الحضارة العربية وضد الحضارة الأمازيغية، تلكم التي تشكل أصلنا وصلبنا لكنها غائبة كليا من برامجنا التعليمية.

بناء على ما سبق، وانطلاقا مما قلته وما لم أقله، ودون المساس بمطلب تعلم اللغات الأجنبية والانفتاح على الثقافات الكونية بشكل حثيث، يفرض علي التاريخ أن أفرض عليكما العمل على ضرورة سن قوانين خارجة من البرلمان ومنشورة بالجريدة الرسمية، مع مراسيمها التطبيقية الفورية، تلزم الدولة بكل أجهزتها وتوابعها أن :
– تفرض حماية اللغة العربية من أي تحريف أو تشويه،
– تمنع على أي منبر مسموع أو مرئي إذاعة نشرات الأخبار بالدارجة،
– تفرض على كل المنابر الإعلامية الإذاعية والمتلفزة الموجودة اليوم أو المزمع إحداثها مستقبلا أن تطبق قانونيا نسبة عالية في استعمال اللغة العربية (80 أو على الأقل 70 في المائة مثلا) مقابل نسب متوسطة في استعمال اللغات الأجنبية (فرنسية، إسبانية، إنجليزية، ألمانية، إيطالية،،)، كما هو معمول به في مختلف الدول التي تحترم لغتها وثقافتها وشعبها. هذا مع استثناءات بالنسبة للمنابر الإعلامية الناطقة حصريا بلغة أجنبية ما،
– تحدث جوائز سنوية خاصة بالإنتاجات الفنية والتلفزية الناطقة باللغة العربية، بمعزل عن الجوائز الموجودة اليوم والتي إما لا تحدد لغة الأعمال الفنية أو أنها تخص حصريا الإنتاجات الفرنكوفونية كما بالنسبة للفيلم الفرنكوفوني والكتاب الفرنكوفوني مثلا،
– تفرض استعمال ديمقراطي عادل لكل لهجات المغرب الإقليمية والجهوية في البرامج التي تصلح للدارجة، وخاصة المسلسلات والمسرحيات والوصلات الإشهارية الناطقة، بحيث يمنع على أي منبر تقديم أعمال فنية مختلفة لكنها تنطق بنفس اللهجة الواحدة. وسينضبط الفنانون وشركات الإشهار تلقائيا لهذه القوانين فتأتي أعمالهم ناطقة بكل لهجات الشرق والشمال والوسط والغرب والجنوب. وحيث كل جهة هنا هي جهات لغوية وثقافية متعددة، يحق لها جميعها دستوريا أن تجد نفسها في قنوات إذاعية وتلفزية محسوب فيها أنها تمثل وطنها. والوطن جمع بالمفرد ومفرد جامع. وليس هو حال المغرب اليوم، إذاعيا وتلفزيا مع الأسف، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لأحداث الريف وليس التشغيل والبطالة، قطعا،
– تستصدر المراسيم التطبيقية لتشجيع استعمال اللغة الأمازيغية في الإعلام، في أفق تعميمها في كل مرافق الدولة وفق مسلسل تعميم الأمازيغية في التعليم بالتدريج، وهو ما تم الإجهاز عليه عنوة،
– تدعم وتشجع الإنتاجات التلفزية والسينمائية والمسرحية والأدبية الناطقة والمكتوبة بالأمازيغية،
– تمنع على المنابر الإعلامية تمرير إشهارات تحتكرها شركة بعينها أو بضع شركات دون غيرها، وقد صرنا منذ سنين طويلة مسخرة في باب الاحتكار هذا،
– تمنع احتكار عقود الأعمال الفنية مع شركة بعينها أو فنان بعينه أو بضع شركات، وقد أزكمت أنوفنا لسنوات طالت،
لا يقول لي أحدكم إننا في بلد حرية المعاملات التجارية. فنحن أولا نعيش جو السيبة، خارج القانون. ثم إن ما أطلب فرضه هنا لا يتناقض بتاتا مع الحرية التجارية وحرية المعاملات. فالمنطلق والمسير واللجام هي الديمقراطية، أولا وأخيرا. وأنا لا أطالب هنا بشيء آخر غير دمقرطة البلاد، بدءا بدمقرطة إعلامها، ودمقرطة ثقافتها. والمغرب يعيش استفرادا إعلاميا واستفرادا فنيا واستفرادا ثقافيا. واستفرادا بالإشهار. ولذلك فنحن نتشدق بالديمقراطية. ونكذب يوميا على أنفسنا. أما التاريخ فلا يمكن أن يكذب عليه أحد. وانتظرونا قريبا في منعرج التاريخ.
ختاما، اسمحوا لي إن أنا أخطأت في بعض التعابير العربية أو في مفرداتها ومصطلحاتها ومفاهيمها الغنية والكثيرة والمتعددة والفاتنة، فأنا لست من العرب العاربة، من دون شك، وحتما أنا فقط من العرب المستعربة، قبل أن أتملك لاحقا أيضا واحدة من أنفس غنائم الحروب، وهي تملك بضع لغات أوربية نافذة تمكنني اليوم من التواصل مع العالم وفهمه والانفتاح عليه. أو قل، إنها تلك اللغات الأجنبية هي التي تمكن العالم من شرف التواصل معي وإبلاغي ما يريده من إبلاغي، عِلما كان أو ديماغوجيا.
سدي الوزير، إذ كتبت إليكما لأدعوكما إلى منع كل المنابر الإعلامية من استعمال الدارجة في البرامج الرئيسية والمقالات المكتوبة واللوحات الإشهارية، وقد أرَحتُ ضميري أمام التاريخ وأمام الشعب من مسؤولية أرهقني حملها وهنا على وهن منذ عدة سنين، فإني أيضا أخاطب فيك أنت شخصيا أيها الوزير إبن الشعب والأستاذ الباحث غير المنغمس في دائرة الدولة العميقة، أو هذا ما يبدو لنا، لأدعوك أن تكون صريحا مع الشعب ومع التاريخ. فنحن نعرف أن الدولة بحجمها توجد بين المطرقة والسندان، مطرقة الصهيونية العالمية وسندان الإمبريالية والاستعمار القديم المتجدد. ولذلك أرجو أن تخرج علينا بتصريح، في حال عجزكم عن حماية اللغة العربية، لتقول لنا “إن تدريج الدولة المغربية أمر يفوق قوة المغرب كدولة، فأحرى أن يعالجه وزير في حكومة محكومة”. ولك مودتي وتقديري.

أبوالقاسم الشــــبري (باحث أثري)
الجديدة في 26 غشت 2018