أزمور ليست مستنقعًا: عندما تنزلق الصحافة من النقد إلى الوصم

azemmourinfo24
أزمور
azemmourinfo2426 يناير 2026Last Update : الإثنين 26 يناير 2026 - 2:02 مساءً
أزمور ليست مستنقعًا: عندما تنزلق الصحافة من النقد إلى الوصم

أزمور انفو24 بقلم: محمد امين سملالي

العنوان الصحفي ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو مدخل للفهم وبوابة للتأثير. وحين تختار جريدة أن تصف مدينة كاملة بعبارة من قبيل «مستنقع الدعارة والمخدرات»، فإنها لا تمارس حقّ النقد، بل ترتكب فعلَ وصمٍ جماعي لا علاقة له بالصحافة الجادة ولا بأخلاقيات المهنة.

هذا العنوان، الذي نشرته إحدى اليوميات المغربية، خلّف استياءً واستنكارًا واسعين، لا في صفوف أبناء مدينة أزمور وحدهم، بل لدى كل من يعرف هذه المدينة الضاربة في عمق التاريخ. إنه عنوان جارح يمسّ بالكرامة، وينطوي على انزلاق مهني خطير، وتعميم مُهين يضع ساكنة المدينة، بمختلف فئاتها وشرائحها الاجتماعية، في خندق واحد موسوم بالدعارة والمخدرات.

ما نُشر عن أزمور لا يمكن، بأيّ معيار مهني، اعتباره تحقيقًا صحفيًا؛ فهو يفتقر إلى أبسط شروط العمل الصحفي: الدقة، والتوثيق، والتوازن، وتحديد المسؤوليات. نحن أمام حكم جاهز أُلبس لبوس مقال، بينما هو في العمق خطاب تبسيطي يُحمِّل مدينة بكاملها وزر اختلالات اجتماعية قد تعرفها أيّ مدينة مغربية.

والسؤال المنهجي هنا واضح:
كيف تتحوّل مظاهر جزئية، غير موثّقة بأرقام أو تقارير أو أسماء، إلى هوية لمدينة؟
ومن خوّل للكاتب أن ينقل توصيفًا أخلاقيًا ثقيلًا من مستوى الظاهرة إلى مستوى المجال الجغرافي؟

حين يتحدث المقال عن «نقط سوداء»، و«شبكات منظّمة»، و«تواطؤ وصمت»، فإنه يكون، مهنيًا وأخلاقيًا، مطالبًا بالإجابة عن أسئلة بديهية: أين؟ من؟ كيف؟ وبناءً على أيّ معطيات؟
أما الاكتفاء بلغة إيحائية، وتعميم الاتهام، والاحتماء بعنوان صادم، فذلك لا يُسمّى صحافة، بل إثارة رخيصة تُغذّي الصور النمطية وتُضعف الثقة في الإعلام.

الأخطر من ذلك أن المقال يتجاهل، عن قصد أو عن كسل مهني، كل ما لا يخدم روايته السوداء:
لا كلمة عن تاريخ أزمور،
ولا عن رمزيتها الثقافية والدينية،
ولا عن نسيجها الاجتماعي،
ولا عن دينامية مجتمعها المدني،
ولا عن مجهودات المعالجة القائمة.

وهذا ليس سهوًا بريئًا، بل انتقائية في السرد تُقصي الواقع المركّب لصالح قصة واحدة: مدينة «فاسدة».

والحال أن الصحافة، كما هو متعارف عليه مهنيًا، لا تُدين المدن، بل تُسمّي الظواهر إن وُجدت، وتُشخّص أسبابها، وتُحاسب المسؤولين، ولا تُحمِّل المجال وساكنته وزر اختلالات بنيوية مرتبطة بغياب العدالة المجالية، والتقطيع الترابي الجائر، والتهميش التنموي.

أزمور ليست «مستنقعًا»، بل مدينة بتاريخ عريق، وفضاء للفنون والثقافة، ونسيج اجتماعي حيّ، وأُسر، وشباب، ونساء ورجال شرفاء لا علاقة لهم بما نُسب إليهم زورًا. إنها مدينة تستحق نقدًا مسؤولًا يُسائل السياسات العمومية، لا وصمًا جماعيًا يُهين ساكنتها.

ومن حق أبناء أزمور أن يتساءلوا بوضوح:
لماذا هذا الإصرار على وصم مدينتهم؟
ولماذا لا تُستعمل المقاربة واللغة نفسيهما مع مدن أخرى قد تعرف الظواهر ذاتها؟
وهل الهدف هو تنوير الرأي العام أم تسويق العناوين؟

إن الدفاع عن أزمور ليس دفاعًا عن الاختلالات، ولا محاولة لتبييض واقع اجتماعي معقّد، بل هو دفاع عن حق المدينة في نقد عادل لا يُهين، وتشخيص مسؤول لا يُعمِّم. وهو أيضًا دفاع عن حق الصحافة في أن تظل سلطة أخلاقية ورقابية، لا أداة وصم وتسويق للإثارة.

فالصحافة القوية لا تحتاج إلى شيطنة المدن، بل إلى شجاعة مساءلة السياسات، ولا تحتاج إلى عناوين جارحة، بل إلى صدق السؤال ونزاهة التحليل.

أزمور لا تعاني من «طبيعة سكانية فاسدة»، بل تختنق تحت وطأة سياسات عمومية عطّلت تنميتها لعقود.
معاناتها هي نتاج فقر ممنهج، وعوز مُخطّط له، وتهميش تنموي يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي. كيف تُلام ساكنة على تفشّي ظواهر اجتماعية وهي محشورة في جغرافيا مشلولة، ومحرومة من مواردها الطبيعية؟

الاغتيال الجغرافي والاختناق الاقتصادي

الحقيقة التي تغافل عنها كاتب المقال هي أن أزمور تتعرض لاغتيال جغرافي ممنهج؛ فقد جُرِّدت من امتداداتها الحيوية والطبيعية على واجهة المحيط الأطلسي، وأُقصيت من معادلة الاستفادة من واد أم الربيع. هذا التقطيع الترابي الجائر لم يكن اعتباطيًا، بل نتاج حسابات سياسوية ضيقة ومصالح انتخابوية آنية، قدّمت مصالح تحالفات الأعيان والإدارة على مصلحة المدينة.

مسؤولية السلطة والاختيار التحريري

العنوان لم يكن زلّة قلم فحسب، بل جريمة تحريرية مكتملة الأركان. فجريدة الصباح، التي تُقدّم نفسها كمنبر إعلامي مستقل وجاد، سقطت في فخ أخطر أمراض الإعلام: تحويل الجزئي إلى كلي، والظاهرة إلى هوية، والنقد المشروع إلى اتهام جماعي. وبموافقتها التحريرية على نشر ذلك الوصف المشين، باركت إهانة صريحة لكل أسرة أزمورية، وكل مثقف، وكل فاعل جمعوي في هذه المدينة العريقة.

الحد الأدنى الذي تفرضه أخلاقيات المهنة هو اعتذار صريح وواضح لساكنة أزمور، وتصحيح مهني مسؤول يُعيد الاعتبار للمدينة وأهلها، ويؤكد أن الكرامة الجماعية ليست موضوعًا للمزايدة الإعلامية.

فالمدن لا تُحاكَم بل تُفهم،
والناس لا يُدانُون بجريرة غيرهم،
والتاريخ لا يُختزل في عنوان.

أما النقد الحقيقي،
فلا يبدأ بالإدانة،
بل ينتهي بالمسؤولية.

Short Link

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!