كلام الحِكمة الدّكالية على لسان عبد الرحمان المجذوب

اقلام حرة
abdou Kabriti15 مايو 2020آخر تحديث : منذ أسبوعين
كلام الحِكمة الدّكالية على لسان عبد الرحمان المجذوب
رابط مختصر

ازمورانفو24:

يعتقد بعض الباحثين أن قِسْماً كبيرا من الثقافة يستوطن اللغة ويسكُنُها، فمَنْ أراد أن يصل إلى جوهر المجتمع حسبُه أن يُحسن الاستماع؛ ويذهب غيرهم إلى أن اللغة متحف حضاري لا مادي؛ وترى فئة ثالثة أن في الشِّعر، خاصة الشعبي منه، ما لا يوجد في غيره، فهو ذاكرة لفظية وهوية صَوْتِيَة وانتسابٌ إلى شجرة الأصل البعيد مهما تراكمت على الأرض بصمات العابرين وامتلأت الفضاءات بِلـُغات الوافدين. الشِّعر الشعبي وحده عين ماء شافية لِمن كان يُحسن إرسال الدِّلاء طَلَباً للسُّقْيا أو يسعى إلى الارتواء بالمعاني البعيدة.
إلى أرض دكالة ينتسبُ شاعرٌ مغربي عُرِف بعبد الرحمان المجذوب، وُلِد في قرية تيط (مولاي عبد الله أمغار) أو قريبا منها، والراجح أنه من أهل القرن (العاشر الهجري) السادس عشر الميلادي، وهو وإن كان عَلَماً معروفا، إلا أن الشِّعر الذي يضمه الديوان، المنسوب له، مَثارَ أكثر من سؤال.
ينتمي كلام عبد الرحمان المجذوب إلى الأدب الشعبي، إنه أدب يتحرك بين الأدب العامي من جهة، والرسمي (أو العالِم) من جهة أخرى. وهو قريب إلى الوجدان الشعبي، غني بالحِكمة والعِبرة، عامرٌ بالخلاصات الحياتية التي لا يدركها الواحد في مسيرته العمرية، بل هي مما تتوارثه المجتمعات وتتناقله الجماعات البشرية جيلا بعد جيل. وليس معنى قولنا هذا أن عبد الرحمان المجذوب لا شِعر له، بل الغاية هي التنبيه إلى أنه الشاعر والرّاوي، ناقل الحِكمة المجتمعية، الناطق بمشاعره الشخصية وبالخلاصات المنتمية إلى بيئته الثقافية الدكالية. وهو إلى جانب صفتيْ الشاعر والراوي، لسانُ الناس والناطق بحكمتهم ومكنوناتهم، وهو أمر يسيرٌ على من كان مَجْذوباً: ينطقُ لسانه بأحواله هو، وأحوال غيره.
ولو تأملنا ديوان المجذوب لوجدناه سلسلة من الأمثال، أبياته الشعرية لا يكاد يُفسِّر بعضها بعضا، غير أن التركيبة العامة تدل على أكثر من حالة فردية، حتى كأن الشعر يُفسِّر أحولاً مجتمعية و”يُؤوِّلها”.
والديوان طبعا، بعض من كلام أهل دكالة منظوم، غير أننا لا نستبعد أن يكون فيه من أنفاس مناطق مغربية أخرى (فاس التي درس فيها عبد الرحمان المجذوب ومكناس التي أوَتْ جثمانه)، ففي الديوان تشبيهات تحيل على بيئات بعيدة عن دكالة.
الزيت يَخْرَجْ من الزِّيتونَة ** والفَاهَمْ يَفْهَمْ لُغاتْ الطِّير
في هذا البيت لوحده جغرافيات مادية وأخرى رمزية، فالزيتون يُطلب في بلدان من بينها مكناسة، كما تنتمي لغات الطير إلى جغرافية عِرفانية يجدها الراغب فيها داخل مُصَنَّفات من قبيل “منطق الطير” لفريد الدين العطار. أما إذا نظرنا في شطرَيْ هذا البيت نفسه باعتبارهما من معجم المتصوفة فإن الجغرافيا ستتبدى لنا حينها سماوية وليست أرضية (زيتونة لا شرقية ولا غربية. الآية).
وبقدر ما تلتقي في ديوان المجذوب العلامات التي تذهب بنا نحو “القضايا الكبرى”، يَحضُرُ فيه صوت الفرد الدُنْيَوي البسيط، ولعل من أجمل أحوال الفرد ما صوره الشاعر حين قال:
قلْبي جاء بِينْ المعَلَّمْ وَالزَّبْرَة ** والحَدَّادْ مْشُوم ما يَشْفَقْ عْليهْ
يرْدَفْ لَهْ الضَّرْبَةْ علْىَ الضَّرْبَة ** وإذَا بْرَدْ يزِيدْ النَّارْ عْليهْ

ثم إن هذه اللغة الوُسْطى بين الفصيح والعامي، فيها من نَمَط الطـُـلبة (حَفَظَة القرآن) ومن أساليب السائحين في الأرض الساعين وراء الأنوار البعيدة والمقامات الربانية العالية ما يدفعنا إلى التفكير في أن روح الديوان (أو جوهره الأساس) قديم قدم تعلق أهل دكالة بأهل الله من أصحاب الرباطات الأولى، كما أن في الديوان من لغة زمن متأخر (القرن السادس عشر وما بعده وهو زمن الصراع مع القوى الإيبيرية ومن جاء بعدهم) ما يدفعنا إلى التفكير في أنه “ترجمة”، بلـُغة مغربية لاحقة، لأحوال وحالات وحِكَمٍ تمتد عميقا في تاريخ دكالة منذ حقبتها الأمازيغية إلى أن تلونت بألوان من ممارسة التديُّن (جهادي/رباطي/زهدي/زوايا/طـُرُقي…). هكذا يكون النَظْمُ قد جَمَعَ في الشعر، وبالشعر الشعبي، ما تلاحق من مراحل تاريخية عاشتها بلاد دكالة طيلة قرون طويلة. وبذلك أيضا يكون الشّعر قد عانق الحِكمة التي هي بعضُ أصله الأول في المجتمعات الشفهية.
والبديع الجميل أن الكثير من تلك المعاني المُستخلَصَة من رَحى عصورٍ متباعدةٍ قد قُدفت في قلب رجل واحد وجَرَت (أُجْرِيَتْ) على لسانه. أليس هذا هو أحد أساليب الأدب الشعبي وطريقته في نقل الحِكمة والمعرفة؟ ثم أليس من الإنصاف أن نُحسِن الاستماع إلى الأدب الشعبي بقلوب واعية وعقول نيرة؟
ما أبهى القول الدُّكالي على لسان عبد الرحمان المجذوب واصفا هذا القلب:
قلـْـبي تقْطَـعْ بالمْوَاسْ ** ما جَاء بَرّا نْلـُـوحُه
مَنْ كانْ كوّايْ للنّاسْ ** يَصْبَرْ لكيَّاتْ روحُه

*رضوان خديد
باحث في الأنثروبولوجيا وعلم المتاحف

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!