إشكالية اﻵخر في التفكير اﻹسلامي .. آيات السيف !

2015-09-15T18:18:23+01:00
اقلام حرة
15 سبتمبر 2015آخر تحديث : الثلاثاء 15 سبتمبر 2015 - 6:18 مساءً
إشكالية اﻵخر في التفكير اﻹسلامي .. آيات السيف !

أزمور أنفو 24 : الكاتب عبدالواحد سعادي

ثمة لغم زرعه البعض في عرض الطريق الذي يصل بين المسلمين واﻵخرين ، إسمه : آية السيف !

وآية السيف هذه هي تلك التي يتصور هؤلاء البعض أنها تنهي علاقة الود ، وحسن الجوار ، والتعاهد بين المسلمين وغيرهم ، وتعلن الحرب على الجميع ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

وهي بالموقف المستجد الذي تقرره ، تنسخ كل ما سبقها من آيات تحث على الود والتعايش والتعاهد ، وجنوح الى السلم وإيثار له .

وتعد مسألة آية السيف شاهدا قويا عن إشكالية اﻵخر في التفكير الاسلامي ، من حيث أنها أتبثت كيف ان تأويل النصوص أسهم بدور لا ينكر في صنع تلك الاشكالية ، وتلغيم علاقة المسلمين بغيرهم .

ونحن عندما ندقق في أقوال بعض المفسرين والمهتمين بأمر الناسخ والمنسوخ في القرآن العظيم نكتشف أنه ليس هناك اتفاق على آية بذاتها ، ولكن هناك أكثر من آية وصفت بذلك الوصف ، وهي آيات ثلاث على وجه التحديد ، ويجمع بينها أنها وردت في سورة ” التوبة ” التي تعرف أحيانا بأنها سورة ” براءة ” وهناك من يقول بأن السورة كلها محملة بالمعنى الذي يشيرون إليه .

واﻵيات الثلاث التي تتضمنها سورة التوبة هي : * فإذا انسلخ اﻷشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد .. * من اﻵية 5. * قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم اﻵخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون * اﻵية 29. * وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين * من اﻵية 36 . والسيد قطب أبرز المعاصرين القائلين بأن سورة ” براءة ” في مجملها تشكل منعطفا حاسما في طريق علاقة المسلمين بغيرهم ، فضلا عن أنه يعتبر ان أكثر آياتها تعبيرا عن ذلك المنعطف ، وتجسيدا له ، هي اﻵية 29 التي تقول ” قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله …”.

وفي تفسير ” الظلال ” ج 10 ، ص 1564 ، يبسط سيد قطب رأيه على النحو التالي :

يقدم سورة التوبة التي هي في آواخر مانزل من القرآن الكريم ، باعتبار أنها تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين اﻷمة المسلمة وسائر اﻷمم في اﻷرض ، وجاءت تلك اﻷحكام على رأس أمور أخرى تدور حول تصنيف وطبيعة المجتمع المسلم نفسه ، وفي التقديم عينه يقول : إن السورة بهذا الاعتبار ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي لﻹسلام ومراحله وخطواته ، حين تراجع اﻷحكام النهائية التي تضمنتها ، مع اﻷحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها ، وهذه المراجعة تكشف عن مدى مرونة ذلك المنهج وعن مدى حسمه كذلك .

يرى بعد ذلك ان السورة تتضمن عدة مقاطع ، اﻵيات الثماني والعشرون اﻷوليات منها تضمنت ” تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الاسلامي والمشركين عامة في شبه الجزيرة العربية ” .. أما المقطع الثاني ، فقد تضمن تحديدا للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة .. وعن انحراف أهل الكتاب عن دين الله الصحيح عقيدة وسلوكا بما يجعلهم في اعتبار الاسلام ليسوا على دين الله الذي نزله لهم والذي به صاروا أهل الكتاب ، ويعتبر أن هذا المقطع يبدأ باﻵية 29 التي أشرنا إليها قبل قليل .

في السياق ، استشهد بما أورده اﻹمام إبن القيم في ” زاد المعاد ” حول ترتيب هيه صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمنافقين ، حيث ذكر أن سورة التوبة أمرت النبي بأن يقاتل أعداءه من أهل الكتاب ، حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الاسلام ، وأمرته بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ، فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان ، وأمرته بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم .

فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول ” براءة ” على ثلاثة أقسام : محاربون له وأهل عهد وأهل ذمة ، والمحاربون له خائفون منه ، فصار أهل اﻷرض معه ثلاثة أقسام : مسلم مؤمن ، ومسالم له آمن ، وخائف محارب .

بعدما أشار إلى أن اﻷحكام التي تضمنتها سورة التوبة ، تعدل اﻷحكام المرحلية السابقة في السور التي نزلت قبلها قال : إن تلك اﻷحكام المرحلية السابقة في السور التي نزلت قبلها قال : إن تلك اﻷحكام ليست منسوخة ، بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف اﻷمة المسلمة بعد نزول اﻷحكام اﻷخيرة ، ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف واﻷمكنة واﻷزمنة هي أن تحدد – عن طريق الاجتهاد المطلق – أي اﻷحكام هو أنسب لﻷخذ به في ظل تلك الظروف .

في ختام تقويمه للسورة ، يهاجم سيد قطب الذين يتمسكون بتلك اﻷحكام المرحلية ، ويعتبرونها من المواقف الثابتة لﻹسلام في العلاقة مع اﻵخرين ، وفي هذا الصدد يقول : ” إن المهزومين في هذا الزمان .. يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهربا من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الاسلامي في اﻷرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد ، وردهم جميعا الى عبادة الله وحده ، وتحطيم الطواغيت واﻷنظمة والقوى التي تقهرهم على عبادة غير الله والخضوع لسلطان غير سلطانه ، والتحاكم إلى شرع غير شرعه .

ويضيف أن هؤلاء المهزومين يقولون مثلا : ان الله سبحانه وتعالى يقول : ” وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ” اﻷنفال اﻵية 61 ، ويقول : ” لا نهاكم الله عن الدين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ” اﻵية 8 ، ويقول سبحانه : ” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ” البقرة اﻵية 190 ، ويقول عن أهل الكتاب : ” قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا الله ولا نشرك به شيءا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ” آل عمران آية 64 .

ثم يقول سيد قطب ، إن المهزومين يستندون الى امثال تلك اﻵيات ليخلصوا منها الى ان الاسلام لا يقاتل الا الذين يقاتلون أهل دار الاسلام في داخل حدود هذه الدار، او الذين يهدنوننا من الخارج ، ومعنى هذا في تصورهم المهزوم ان لا علاقة لﻹسلام إذن بسائر البشر في أنحاء اﻷرض ، ولا عليه ان يعبدوا ما يعبدون من دون الله .. وهو سوء ظن باﻹسلام وسوء ظن بالله سبحانه تعالى ، ج 10 ، ص 1581 .

وهنا يكرر ان تلك نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا إذا تكرر في حياة اﻷمة الاسلامية فإنها تطبق ولكن ليس معنى ذلك ان تلك النصوص هي موقف الاسلام النهائي والثابت ، بمعنى ان مختلف نصوص المسالمة والحرب الدفاعية ورفض العدوان ما هي الا ” تاكتيك ” إسلامي مؤقت ، بينما الاستراتيجية هي تلك التي أنزلت في سورة التوبة ومن قبلها سورة اﻷنفال ، التي تناولت قضية الجهاد وعالج قطب في تفسيرها ما أسماه ” المنهج اﻹلهي في الجهاد المطلق ” .

إنهم لا يكرهون على اعتناق الدين اﻹسلامي ، فالقاعدة الاسلامية المحكمة هي : لا إكراه في الدين ، ولكنهم لا يتركون على دينهم الا اذا أعطو الجزية وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا اﻷساس .

يتفرد سيد قطب بين أعلام المعاصرين بموقفه هذا ، بينما يخالفه أبرز فقهاء مصر في القرن التاسع عشر ، من محمد عبده ورشيد رضا إلى الشيخ محمد الغزالي ، مرورا بالشيوخ الخضري وشلتوت وعبدالوهاب خلاف ودراز ، ولولا المكانة الخاصة والبارزة التي يحتلها المفكر قطب ، ولولا تأثيره على قطاعات عريضة من الاسلاميين ، لعد كلامه في هذه النقطة شذوذا لا ينبغي الانشغال به فضلا عن مناقشته .

فاﻻشيخ رشيد رضا صاحب ” المنار ” يشير الى ان آية السيف تتراوح بين اﻵية الخامسة من سورة التوبة الداعية الى قتال المشركين بعد انتهاء اﻷشهر الحرم ، واﻵية 36 التي تدعو الى قتال المشركين كافة كما يقاتلون المسلمين كافة ، ، ويﻻتقي مع قطب في كونها غير ناسخة لغيرها من اﻵيات ، ويستشهد بما قاله السيوطي من ان أيا من اﻵيتين ليس ناسخا لغيرها من اﻵيات التي تتناول علاقة المسلمين بالمشركين ، ولكن كل منها تقرر حكما يسري في ظرف معين.

غير أن الشيخ رشيد رضا انحاز الى الرأي القائل بأن الدعوة الى مقاتلة المشركين هي رد على مبادأة المشركين بالقتال ، وأن المقصود باﻵيتين مشركو جزيرة العرب ، وليس كل مشركي اﻷرض .

وفي تعليقه على اﻵية 29 الخاصة بأهل الكتاب فإن صاحب المنار وشيخه اﻹمام محمد عبده يذهبان الى أنها لا تمثل ذلك المنعطف الحاد الذي عبر عنه سيد قطب من حيث أنها نزلت في قتال أهل الكتاب ، وان نزولها جاء تمهيدا للكلام في غزوة تبوك مع الروم من اهل الكتاب بالشام والخروج اليها زمن العسرة والقيظ ، فضلا عن ان المقصود بها ليس كل أهل الكتاب ، ولكن فريقا منهم له شروط أربعة معينة ذكرتها اﻵية الكريمة.

وربما كان أقوى بيان في هذا الموضوع ، هو ما تضمنه الكتاب الصادر من الجزائر للشيخ محمد الغزالي بعنوان ” جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج ” ويشكل تفنيد دعاوى القائلين بآية أو آيات السيف محورا أساسيا في ذلك المتاب ، بل إننا نستشعر من مقدمة المؤلف للكتاب أن الرد على منطق هؤلاء هو دافعه اﻷساسي ﻹخراجه .

فنحن نلمس منذ السطور اﻷولى للكتاب رفضا قاطعا وحاسما للشيخ الغزالي ﻷمور ثلاثة :

فكرة ان حروب الاسلام هجومية وليست دفاعية ، وان الاحكام التي نزلت في شأن أهل المتاب قبل سورة التوبة تحدد موقفا جديدا أو تشكل موقفا جديدا أو تشكل موقفا مستجدا لﻹسلام من أهل الكتاب .
 وإشارة الشيخ الغزالي مقصود بها كما ذكر الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الاسلامي الذي كتب يقول : ” ان قول الرسول عليه السلام وفعله يدل دلالة واضحة على ان الجهاد هو بدء الكفار بالقتال ، ﻹعلاء كلمة الله ولنشر اﻹسلام .
وهو يوضح موقفه قال : ” ان فن الدعوة يحتاج الى ألوف من اﻷذكياء اﻷتقياء ، يأخذون طريقهم الى اﻷفئدة والعقول بلباقة ورفق ، فإذا اعترض السيف هؤلاء برز من جانبنا سيف يناوشه ويعيده إلى غمده ، ويترك الحكم للمنطق واﻷدب ، لا لغرائز السباع ” .
وأضاف أن الاضطراب الفكري انتقل الى نصوص الكتاب والسنة ، فإذا تيار الفوضى يلغي بإسم النسخ نحو 120 آية قرآنية ، ويعوج بمفهوم آيات أخرى ، ويخرج الاسلام للناس في صورة دميمة . ص 24 .
وهو هنا يبرز أهمية التاريخ في صياغة موقف الفقهاء والدعاة ، وفي التأثير على الاجتهادات المتعلقة بموقف المسلمين من اﻵخرين ، وهي اجتهادات نبعت من انفعال بما تعرض له المسلمون من عنت واضطهاد ، دون ان تكون مستندة بالضرورة الى نصوص شرعية ، ولا ملتزمة بمقاصد الشريعة ، وبعض اجتهادات إبن القيم الجوزية في كتابه ” أحكام أهل الذمة ” شاهد على ما نقول ، خصوصا ما تعلق منها بختم رقاب أهل الذمة وتمييز دورهم وثيابهم ونعالهم .
ينفي الشيخ محمد الغزالي بشدة أن ثمة شيئا حقيقيا في القرآن الكريم يمكن ان يطلق عليه آية السيف ، ويبدي تعجبه من إطلاق هذه التسمية في فصل بعنوان ” ما يسمونه آية السيف ” وهو يركز في ذلك الفصل على سورة التوبة التي التي هي موضوع الجدل وعنها يقول : ” إن أناسا من المفسرين عفا الله عنهم ، لم يعيشوا في جو السورة ، ولم يدركوا مواقع النزول ، ولم يربطوا الحكم بحكمته ، زعموا أن هذه السورة ألغت كل ما سبقها من آيات الدعوة والمسالمة ، وأنها أحلت العنف مكان اللطف ، واﻹكراه مكان الحرية ، وبهذا القول الجزاف نسخت مائة آية من قبل في أسلوب الدعوة ” .
إلى هنا فمن شاء أن فليؤمن ومن شاء فليكفر ، بنص القرآن الحكيم ، وحساب الجميع على الله سبحانه ، يوم يلقونه ، أما القتال والسيف ، فهو في منهج الرسالة سبيل إلى رد العدوان وصد الفتنة ، وليس أسلوبا في التبليغ والدعوة .
والكتاب بهذا المفهوم ، خطوة مهمة باتجاه تصحيح العلاقة مع اﻵخر ، بعد التشويه الذي أصاب بعض جسور تلك العلاقة ، في تأويل النصوص ودعاوى نسخها أو مرحلية العمل بها .
وهو تصحيح مطلوب بإلحاح لفض إشكالية اﻵخر في التفكير اﻹسلامي ، وإن كان لﻹشمالية جوانب أخرى ما زالت جديرة بالمناقشة .
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!