كيف نستخلص الدروس والعبر من فاجعة سبت سايس

2016-04-25T22:59:38+01:00
اقلام حرةجهوية
25 أبريل 2016آخر تحديث : الإثنين 25 أبريل 2016 - 10:59 مساءً
كيف نستخلص الدروس والعبر من فاجعة سبت سايس

ازمور انفو24 المتابعة:د محمد معروف

استفاق سكان دوار القدامرة، بجماعة سبت سايس بإقليم الجديدة على فاجعة مروعة، حين أقدم شخص متزوج في سن الأربعين على نحر وضرب رؤوس الكثير من السكان، وكان أغلب ضحاياه من عائلته، إذ قتل عشرة أفراد، وأصاب آخرين بجروح، ويحكى أنه ذهب إلى السوق الأسبوعي يوم السبت 23 04 2016 صباحا لبيع دابته ، أنثى الحمار، و قبض ثمنها الذي يقدر ب 1700 درهم، ثم تعددت الروايات حول رجوعه، فمن الناس من قال إنه ذهب إلى سوق “الخميس”، لشحذ سكاكينه قبل أن يعود إلى البيت ، ومنهم من قال إنه تسوق واشترى الخضر واللحم كعادته، ثم ولّى إلى بيته. إذن، ماذا وقع بعد ما باع الأتان؟ وماذا أصابه حتى هاج وقتل هذا العدد الكبير من الناس؟ هل بيع الأتان له علاقة بالموضوع، خصوصا ونحن نعلم علاقة البدوي بدوابه في الحالات العادية، فما أدراك ببدوي يعاني من نوبات هستيرية، و يقدم في الكثير من الأحيان على ضرب زوجته كما جاء على لسان بعض الشهود؟
قراءتنا لهذا الموضوع من خلال الشهادات التي استمعنا إليها عبر الصحافة الالكترونية ويوتوب، وبعض الصحافيين الذين حضروا إلى عين المكان، تتجلى في أن هذا الشخص قد أصيب بنوبة هستيرية، وتزامن هذا مع الفترة الزمنية التي تلت بيع الأتان، لهذا نعتقد أن الشخص الذي ذهب إلى السوق وباع دابته بثمن معقول كان في كامل قواه العقلية، لكنه ربما كان يغلي من الداخل، حيث لم يكن مقتنعا بما سيفعل، وربما دفعته الظروف الاقتصادية إلى بيعها، و في ثقافتنا، فإن الشخص الذي يضطر إلى بيع حماره في القرية، يعتبر قد وصل درجة قصوى من الفاقة. و السؤال الذي يطرح هنا: هل كانت العائلة موافقة على بيع الأتان أم لا؟ نحن نستقرأ السيناريوهات بشهادات حول الموضوع تبين أنه نشب بينه وبين عائلته خلافات حول هذا الموضوع أدت إلى توتره النفسي ، فأصيب بنوبة عصبية فقد خلالها السيطرة على مشاعره، فأقدم على تلك الجريمة الشنيعة، و ربما لم تكن في نيته قتل كل هؤلاء. هناك سيناريو آخر، هو أنه قرر أن يتخلص منهم حين اضطر لبيع الدابة، وقد تنبني هذه القراءة على شهادة ابن أخته الذي قال بأنه ذهب إلى “الخميس” لشحذ سكاكينه قبل أن يعود إلى البيت، بمعنى أن نفسيته تدمرت بعدما لاحظ أنه سيخسر كل شيء في خضم صراعه من أجل البقاء، حتى الدابة التي تساعده على الحمل والجر، وبالتالي سولت له نفسه المضطربة الانتقام من تلك الأفواه الجائعة المسنة التي عمرّت طويلا، والتي تشكل عبئا يوميا وتوجه إليه اللوم، وتطعنه يوميا في فحولته بالذم والتحقير على عدم قدرته على منافسة أقرانه، والعمل من أجل توفير قوت عياله.
و من خلال كلا السيناريوهين، تعتبر هذه الجريمة تفريغا لنوازع عدوانية تكلست لدى هذا الشخص منذ أيام أو شهور تحت ضغط الضائقة الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية، مما أثر سلبا على نفسيته المريضة المكتئبة، و أدى به إلى انفجار هستيري يوم السبت، حيث وضع حدا لمأساته، و تعتبر أنثى الحمار في هذا المسلسل الدرامي الدموي القشة التي قسمت ظهر البعير. هل كان هذا الشخص في كامل قواه العقلية وقت ارتكابه الجريمة؟ بالطبع لا، خصوصا وأن الجريمة تضم ضحايا ينتمون إلى فئة المقدس كالوالدين، و من المستحيل أن يجهز عليهم عاقل بسبب أو دون سبب، فلنأخذ شهادة الشهود بعين الاعتبار، إذ قال أحدهم إنه حين رآه قادما نحوه لضربه، اختبأ هذا الشاهد داخل منزله، فلم يقم المعتدي بمهاجمته، بل كان يهاجم فقط أولئك الذين وُجِدوا في طريقه أو”اعترضوها” من وجهة نظره، أي أولئك الذين رامقتهم عيناه بشكل عشوائي دون تحديق أو تركيز، و حسب الشاهد نفسه دائماً، لم تكن رؤيته طبيعية، مما يدل على أنه أصيب بنوبة هستيرية، أو كان تحت تأثير مخدر ما، رغم أن بعض الشهود أكدوا أنه يدخن القنب الهندي فقط، و كأن القنب لا يتسبب في أمراض الخلل العقلي كمرض الذهان مثلا، هذا ما سيكشف عنه التحقيق مستقبلا.
مهما تعددت الأسباب، نكاد نجزم أن هذا الشخص يعاني من اضطراب سيكولوجي، ويعاني نوبات عصبية، و احتضنته عائلته، إذ حاولت معالجته، لأن شهودا من العائلة أكدوا أنه زار طبيبا نفسانيا بمراكش، لكنه انقطع مؤخرا عن زيارته، ومع الأسف دفعت العائلة اليوم الثمن غاليا، و ما يهمنا في هذا الموضوع بالذات هو السؤال التالي: ماذا فعلت الدولة لحل معضلة الأمراض العقلية وتناول المخدرات بالمغرب، خصوصا بعد استعراض وزير الصحة لعضلاته بالنجاح في إقفال ضريح بويا عمر؟ هل سنظل نتعايش مع حمقانا ومرضانا في الشوارع، و يمسي قدرنا في يد حجارتهم وأسلحتهم “السوداء”؟
إن هذا الحادث يفتح أعيننا على حقيقة مرّة، ألا وهي شبه غياب تام لبنية تحتية لائقة لعلاج الأمراض العقلية بالمغرب، إذ أن المستشفيات و المصحات العقلية الجهوية شديدة الندرة، و الأطباء النفسانيون يعدون على رؤوس الأصابع، حيث لا زال هذا النوع من العلاج دخيلا على ثقافتنا، و يفضل العضو الاجتماعي البسيط زيارة الأولياء على زيارة طبيب نفساني، لأن الطبيب النفساني يتمثل في الذهنية الشعبية البسيطة بأنه يعالج الحمق فقط، فمن يزوره يصبح ” بوراقيه” ، مما يعني أنه أصبح أحمق رسميا.
لازال المغاربة يتوافدون على المزارات و يبحثون عن العلاج التقليدي لمعالجة هذا النوع من الأمراض، وهذا ما يجعل العوائل في خطر دائم، إذا ما هاج عليهم المريض. نحن نتكاثر وتتكاثر همومنا الاجتماعية والاقتصادية، و لهذا أضحينا في حاجة ماسة إلى علاج أنفسنا من خطر الاكتئاب وأمراض نفسية أخرى، إذ لا يمكن أن يترك العضو الاجتماعي بدون سلاح روحي لمواجهة هذه الأخطار. نحن نلاحظ أن الإيمان يظل السلاح القوي في مجتمعنا لمقارعة عتمة المصير، ويفضل الكثير منا في بعض الأحيان اللجوء إلى الغيبيات للسيطرة الخرافية على المصير، لكن في أسوء الحالات يلتجئ البعض منا، خصوصا الشباب المهدور، لتفريغ طاقاته في المخدرات بشتى الطرق، متخذاّ إياها ملاذا أو متنفسا للهروب المؤقت من المشاكل الاجتماعية والبطالة وانسداد الأفق، وهنا نتساءل عن دور الدولة بجميع مكوناتها في حل مشاكل الشباب الاقتصادية والاجتماعية، و في تعبئة المجتمع ضد هذا الهدر الصحي والتخريب العقلي الذي يتعرض له الكثير من أبناء هذا الوطن، فما هو دور البنيات التحتية التي أُنشئت لتوعية الأشخاص (مدرسة، إعلام، مجتمع مدني)؟ هل تم إنشاء مراكز ومستوصفات جهوية، و إحداث أخصائيين اجتماعيين في المؤسسات التربوية، و المزيد من الأطباء النفسانيين في القطاع الخاص والعام لمعالجة مشاكل الإدمان والأمراض العقلية؟ هل قامت الحكومة والمجالس الجهوية بسن سياسات لتوفير البنى التحتية، وتوجيه الشباب نحو الفن بتلويناته المختلفة والرياضة والاهتمام بالجسد عوض تشييد مقاهي الشيشة والمواخير، حتى نحافظ على سلامة مجتمعنا؟
ما يقع في مجتمعنا في غالب الأحيان هو أن الشخص يظل يعاني في صمت حتى يصبح مختلا، ثم يسيح في الشوارع، ويشكل خطرا على محيطه، و نأخذ أمثلة حية من مدينتي الجديدة وواد زم، ففي مدينة الجديدة نلاحظ أن المختلين عقليا أصبحوا فيها في تزايد مستمر، وهو الأمر الذي لا يهدد فقط سلامة السكان، ولكن يؤثر تأثيرا سلبيا في السياحة الداخلية والخارجية بوجه خاص، إذ يصبح مظهر المختل عقليا الذي يرتدي أسمالا لا تكاد تستر عورته مخيفا بالنسبة للسائح الأجنبي، وخادشا للحياء العام بالنسبة للقاطن المحلي، ناهيك عن أن بعض المختلين رجالا ونساء قد يجنحون للسب والشتم، وأحيانا إلى ضرب المارّة، مما قد تكون له عواقب وخيمة لا تحمد عقباها. هذا في ما يتعلق بمدينة الجديدة، أما مدينة وادزم البئيسة المهمشة التي لازالت ممتلئة بالمختلين عقليا والمدمنين بعدما تم شحن بعضهم على متن قطارات تتوقف في تلك المحطة النهائية، فحطوا الركاب بالمدينة، تجدها مبعثرة و أعداد المختلين تتزايد في الشارع العام، وهنا نطرح السؤال حول هذه الطريقة اللاأخلاقية التي تعتمدها جهات معينة لحل أزمة تكاثر وتجول الضوال بمدينة ما عبر تصدير الأزمة إلى مدينة أخرى. هل هذا أسلوب جديد في علاج الاختلال العقلي أصبح يعتمد في بلد كالمغرب، أم هل هذا تخل صارخ من طرف الدولة عن مسؤولياتها اتجاه مواطنيها، وبالتالي تبحث كعادتها عن حلول ترقيعية لطمس الحقائق؟
لا مفر لنا من توفير بنية تحتية ملائمة لإيواء هؤلاء الضوال بالمدن والبوادي المغربية، وإلا فستتناسل ظاهرة سبت سايس إلى ما لانهاية، خاصة إن لم تأخذ الدولة على عاتقها توفير البنى التحتية لعلاج الاختلال العقلي ومشكل الإدمان، واعتماد سياسة استباقية وقائية توجه المجتمع نحو الاهتمام بالجسد والصحة للحفاظ على سلامة أفراده، وبناء جسم اجتماعي سليم قادر على الإنتاج والمساهمة في بناء اقتصاد هذا الوطن، ناهيك على أن الدولة ستوفر الكثير مما ستنفقه على معالجة هؤلاء المدمنين والمختلين.
د. محمد معروف
أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!