الشعوذة بين الثقافة و السلوك

الجمعياتمنوعات
18 سبتمبر 2013آخر تحديث : منذ 7 سنوات
الشعوذة بين الثقافة و السلوك
رابط مختصر

 

نحن في الحقيقة نحاول الهرب من مسؤولية مشاكلنا ليس فقط لتكاسلنا عن البحث عن علاج لها، بل لإلقائها على الآخرين أيضا.

عدم الرغبة في تحمل المسؤولية، ، فالإنسان يخشى أن يتعلم لئلا يتحمل مسؤولية العلم، كما انه يخاف من مواجهة أمراض ذاته لئلا يتحمل مسؤولية مرض ذاته، فيلجا بسبب خوفه من تحمل المسؤولية لتحميل الآخرين مسؤولية مشاكله و أمراضه و لو عن طريق تحميل الجن مسؤولية ما يعانيه في علاقاته الأسرية أو أنشطته الإقتصادية أو حتى في ضعفه الجنسي، و الجن ليس لهم محامي يدفع عنهم تهم تخريب البيوتات أو إفلاس الأغنياء أو إفقار الفقراء، فعوضا أن نبحث عن أسباب فشل العلاقات الأسرية التي نعيشها مع أهلنا في ذاتنا، أو نبحث عن نقاط فشل خططنا الإقتصادية التي وضنعها لأنفسنا ، أو نبحث عن الأمراض الجسمية و الصحية في ضعفنا الجنسي أو غير ذلك من المشاكل نبحث عن معالج مشعوذ يلقي بالمسؤولية بالمقابل نيابة عنا على ملك جني أو نصاب جني أو متسول جني أو كافر جني أو حتى قبيلة جنية غزتنا في جسمنا ، وإن استدعى الأمر نلقي بالمسؤولية بالمقابل نيابة عنا على جنية عزباء لم تلقَ لعدم جمالها زوجا من جنس الجن فلجأت للتزوج بإنسان من جنسنا لتهدم بيت تلكم المرأة التي صدى عنها زوجها في الفراش أو عاملها معاملة خشنة في البيت.

لم يعد لجوء الكثير من أفراد المجتمع للمشعوذين و الدجالين حالات فردية في المجتمع ، بل أصبحت ظاهرة إجتماعية متفشية ، لدرجة أنها تطورت في حاضرنا لتكون ظاهرة فضائية عالمية لها تأثير مباشر و كبير في ثقافة قطاعات كبيرة من المشاهدين، فما عادة البرامج العلاجية !!! كما تسوق بهذا الغاية التي تظهر في القنوات المتخصصة بهذه الأمور مادة للضحك و السخرية كما يفعل بعض المثقفين و أطباء النفس و العلماء الذين يضحكون من قول المنجمين و المشعوذين و يسخرون من أسئلة أفرد المجتمع لهم!!!!!. فالأمر في غاية الخطورة في جانبها الديني أولا، و تداعياتها في سلوك المجتمع ثانيا، و تأثيرها الثقافي و الفكرية ثالثا.
و نحن أمام هذه الظاهرة الخطيرة دينيا و ثقافيا و اجتماعيا مدعوون للنظر بشكل دقيق و جدي لأسباب لجوء المجتمع للدجالين المشعوذين و المنجمين، فالعلاج الأمني ليس هو العلاج الناجع و الوحيد لهذه الظاهرة الخطيرة كما تفعل بعض الدول، لأن المشكلة ليس جذرها الأساس تجاوزات قوانين الدولة لتكون الإجراءات الأمنية هي الوسيلة الفعالة و الوحيدة في عملية القضاء على هذه الظاهرة، كما أن المشكلة ليست بالبساطة التي يمكن للمنابر الجماهيرية أن تساهم مساهمة فعالة في إيجاد الحل لها، و هذا لا يعني أن لا تكون للمنابر فائدة إرشادية و توجيهية عامة للمجتمع. فالمشكلة كبيرة و عمقها يتمثل في طبيعة ثقافة المجتمع و طريقة تفكيره في مواجهة المصاعب التي تواجهه من الناحية السلوكية. إضافة إلى مدى وعيه الصحيح بالقيم و المبادئ الدينية السماوية التي يؤمن بها.
وفي تصوري أن أهم الأسباب التي تدعوا الناس للجوء إلى الدجالين عدة أمور، اذكر بعضها:
– الجهل و عدم الوعي ، و هذا السبب لم يعد يخفى على أبسط الناس فضلا عن المثقفين و العلماء، بحيث عندما يستعرض أحد دواعي لجوء أفراد المجتمع للمشعوذين يذكر الجهل كأهم الأسباب التي يُلقي بالإنسان على أعتاب الدجالين، و لهذا لا حاجة للإطالة في الحديث عن هذا السبب.
– عدم وجود برامج علمية نفسية تحث المجتمع على العلاج النفسي، والذي يتحمل الجزء الأكبر في هذا النقص الواضح هم الأخصائيين بالأمراض النفسية، والمشكلة في هذه شريحة المهمة أنها:
– إما أنها غير متصدية في إعطاء فكرة عن الأمراض النفسية في المجتمع عن طريق إلقاء محاضرات مركزة ومتخصصة في الأمراض النفسية تبين من خلالها للناس: ـ أهمية تخصص علم النفس في علاج الكثير من الأمراض التي يعاني منها المجتمع.
ـ تبين من خلال المحاضرات للناس الأثر السلبي للأمراض النفسية في علاقتهم و حياتهم وجسمهم. و هذين الأمرين يحتاجان منهم أن يتعاطوا مع المجتمع في المرحلة الأولى على اقل تقدير بغير المنطلق المادي الربحي ، أو لنقل من منطلق الدعاية و الإعلان لتخصصهم و أهميتهم في علاج الأمراض، فيكون المردود المادي بعد هذه الإعلان مردود إيجابيا مربحا.
-إما أنها تفتقر للمعرفة بالمستجدات التخصصية في مجالها النفسي بحيث تكون مطلعة و ملمة بأحدث الدراسات و النظريات النفسية التي يتم يطورها و يكتشفها علماء النفس في الدول المتقدمة و المتطورة ، فتكتفي هذه الشريحة بما درسته و تدرسه في المناهج الأكاديمية دون أن تطور من ثقافتها خارج المناهج التعليمية. و هذا العامل ساعد في عدم فاعلية الأخصائيين النفسانيين في مجتمعنا، لدرجة أن و جودهم في المجتمع بل في المستشفيات و العيادات أصبح وجودا هامشيا في نظر الناس، فأقل الأطباء الأخصائيين مراجعة في مستشفياتنا هم الأخصائيين النفسانيين، مع أن أهمية وجودهم و تخصصهم في واقع المجتمع يوازي الأخصائيين في المجالات الطبية الأخرى؛ إن لم نقل أن أهمية تخصصهم في المجتمع في وقتنا الحاضر الذي تنتشر فيه الأمراض النفسية تفوق أهمية الكثير من التخصصات الطبية العضوية. فأغلب الأمراض التي بسببها يلجا أفراد المجتمع للدجالين المشعوذين و المنجمين أسبابها نفسية ، و بقية الأمراض ترجع إلى الخلل في هرمونات الجسم أو العقل، فالرجوع للمختصين في الطب النفسي أمر في غاية الأهمية في حل مشاكلنا، في أداء الواجب الوطني يراجع أخصائي نفسي ليعزز ثقة المصاب بنفسه في تعامله مع الحياة و هو مقطوع اليد أو الرجل أو مشوه أو غير ذلك، كما أن لا يجد غضاضة و حرجا إجتماعيا في نفسه عندما يذكر بأنه يراجع أخصائيا نفسيا متخصصا في العلاقات الأسرية أو الضعف الجنسي أو علاج الغضب و التهور أو غير ذلك من الأمراض النفسية التي لا نلقي لها بالا في مجتمعا، أو أنهم يتخوفون من كشفها أمام أهلهم فضلا عن عامة الناس كما نفعل نحن في مرضنا ….

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!