أزمور انفو 24 بقلم .د المصطفى الريس.

كان الإكراه الجبائي واحد من عوامل التوتر الدائم الذي خيم على العلاقة بين النظام المخزني والرعية داخل المجتمع المغربي خلال القرن التاسع . فالمخزن أمام تزايد النفقات المالية غالبا ما كان يجانب مبدأ إقرار سياسة جبائية عادلة تستمد مرجعتيها من أصول الشرع الإسلامي ، فكان لزاما فرض أنواع جديدة من الضرائب من قبيل ضرائب المكوس والترتيب والمعونة ، أتارت نقاشا فقهيا وجدلا واسعا في صفوف العلماء والتجار على حد السواء . خاصة وأن السلاطين كانوا يستندون إلى تبريرات فقهية كانت تتعارض و النصوص الشرعية، وإصدار فتاوي مؤيدة للسياسة الجبائية الجائرة. من هذا المنطلق ، يتساءل الدكتور خالد طحطح في كتابه "ضريبة الترتيب بين المعونة والمكس" عن فحوى الإصلاح الجبائي الذي أقدم عليه المخزن أواخر القرن 19 "هل كان الترتيب من الناحية السياسية محاولة إصلاحية ناجمة عن قناعة حقيقية بمدى الإجحاف المستشري في مجال الجباية؟ هل يمكن اعتبار التجربة اقرارا ضمنيا من السلطة المخزنة بحجم الفساد و الاختلال الذي نخر أركان الدولة عقود طويلة ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد ترميم ترقيعي أو حته المشاريع الأجنبية لتوريط المخزن و زعزعة بيته السياسة و الاجتماعية و المالية ؟" في سياق هذه التساؤلات المشروعة يندرج مخطوط " بيان مدخول المنافع والمستفادات بأزمور " وهو عبارة عن سجل للحسابات وضعه الأمين بأزمور محمد بن بلعيد الروداني . ويبتدأ من يوم السبت 23 صفر الخير من عام 1296هـ = 1878 م إلى غاية جمادى الأولى من عام 1298هـ = 1880 م ، يتكون من 43 ورقة، 32 س؛ 180×390 مم ، بخط مغربي واضح . يبتدئ المخطوط ب: "الحمد لله وحده بيان مدخول المنافع والمستفادات بأزمور علي يد الأمين السيد محمد بن بلعيد الرداني أوله ابتداءه في الخدمة الشريفة في ثالث وعشري من شهر صفر الخير عام 1296هـ" ، وينتهي بالعبارة التالية " وفي التاريخ أعلاه وجهنا صحبة الوفد ما تحصل في بيع الزرع والدرة الداخل من عشور هشتوكة والحوزية وأهل أزمور والجديدة عن عام 1296 ".

يعتبر مخطوط "بيان مدخول المنافع والمستفادات بأزمور" بمتابه رصد لمظاهر الإصلاحات الضريبية على عهد الحسن الأول ، التي كانت تهدف إلى توفير إمكانية أفضل لمقاومة الأطماع الأجنبية، والى الحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي وذلك عن طريق إقرار نوع من العدالة في فرض الجبايات ، بالنظر الى عمليات الابتزاز التي حصلت أثناء جباية الضرائب ودورها في تأجيج الانتفاضات الحضرية على سبيل المثال انتفاضة الدباغين بفاس سنة 1873 .

على هذا الأساس وضع المخزن مخططا جهويا مبنيا على تعيين الأمناء الذين أوكلت لهم مهام استخلاص الواجبات الجمركية وكذلك أمناء المستفاد المكلفين بتحصيل المكوس والضرائب غير الشرعية بطريقة مباشرة لحساب المخزن . ويقوم الأمين عند قبض المستفاد بتسليم وصل للمعني بالأمر، و يقوم بتسجيل ما يتحصل عليه من كناش ، ويبعث به آخر كل شهر إلى أمين الأمناء. وكان هؤلاء الامناء الجدد على حد قول الباحث محمد كنبيب يتم "تعيينهم بشكل أساس في فاس وتطوان وسلا من أبناء عائلات التجار الذين كانت تحتاج إلى تنمية أعمالها التجارية وإلى ربط علاقات سواء مع أوربا أو المشرق، أي إلى نوع من الانفتاح على العالم الخارجي وإلى تلقي بعض أفكار التحديث. وبفضل خبرتهم فإنهم أثبتوا قوة وجودهم وفعالية شخصيتهم مما أهلهم لتكوين هيئة مهمة داخل جهاز المخزن. وانتهت هذه الفاعلية بتوسيع سيطرتهم على دواليب الدولة وفي تقلد مناصب لها علاقة بالمال والجباية بشكل أساس."

ما هو السياق التاريخي الذي ألف فيه مخطوط بيان مدخول المنافع والمستفادات بأزمور" ؟ ما هو موقف فئات المجتمع الأزموري من الإصلاح الجبائي الذي حاول السلطان شرعنته عن طريق إصدار فتاوي استنكرها تلة من العلماء؟ هل كانت أزمور مدينة تجارية بامتياز يضاهي رواج أسواقها أسواق فاس ومراكش وسلا الصويرة الى الحد الذي دفع بالسلطان الحسن الأول تعين أمين على أزمور تابع مباشرة له ؟ كم هو مقدار المبالغ الجبائية التي تم تحصيلها من أزمور ؟ لماذا لم يعين السلطان الحسن الأول أمينا من أزمور من صفوف نخبتها أو أعيانها أو تجارها؟ ما هي أنواع الضرائب التي فرضت في أزمور ؟ هل هي يقدم المخطوطات إفادات عن طبيعة الرواج التجاري بأزمور أو القرن التاسع عشر ؟ هل يقدم المخطوط إفادات ومعلومات عن علاقة أزمور بضواحها ؟ أسئلة وغيرها كثير نحاول خوض غمار دراسة وتحقيق مخطوط "بيان مدخول المنافع والمستفادات بأزمور" ومن تم طبعه وتوزيعه ، حافزنا في ذلك غيرتنا على مدينتنا ، وتسليط بصيص من الضوء على الجوانب المعتمة والمظلمة من تاريخ أزمور. رفيقنا في هذا المشروع العلمي الحلم الأستاذ الباحث في التاريخ عبد اللطيف عوام ، والدعوة موجهة إلى عموم الباحثين والمهتمين داخل أزمور وخارجها إلى الانخراط في هذا العمل لأنه بلا شك سيخدم توثيق الذاكرة الأزمورية توثيقا أكاديميا رصينا.