أزمور انفو24:بقلم ذ أحمد امشكح .

الجديدة صيفا، ليست فقط شواطئ وأسماك مشوية يعشقها زوار المدينة، التي سماها الفرنسيون بدوفيل المغربية، ولكن الجديدة هي أيضا ثقافة وفن وإبداع. فقد اختارت المدينة في السنوات الأخيرة أن تنظم عملية ثقافية سمتها بالمكتبة الشاطئية، التي يقصدها المصطافون لقراءة كتاب أو حضور لحظة احتفاء بكاتب. وتبدو الصورة مثيرة أن يتحلق عشاق القراءة حول كاتب يقدم حصيلته، ويشرح للحضور، وهم بالشورت تفاصيل روايته أو ديوانه الشعري، وليست تحت أقادمهم غير رمال البحر الذي يطلق صوته الجهوري من خلفهم.
لقد جربت المدينة هذا التقليد الذي أصبح سنة مع حلول كل فصل صيف. وأصبح المثقفون يفضلون زيارة البريجة، وهي إحدى تسميات المدينة، لاقتناص لحظة استجمام فوق رمال البحر وبين زرقة مياهه، بموازاة إسماع صوتهم الثقافي من هذا المكان الخاص جدا.
لقد عاشت الثقافة والأدب والإبداع في العقود الأخيرة نكسة حقيقية. وأصبحت اللقاءات الثقافية لا تستهوي غير القليل ممن لا زالوا يؤمنون بسلطة المقروء وسحره، الذي لا يوازيه شيء، على الرغم من هذا الهجوم الكاسح لشبكات التواصل الاجتماعي، وهذه ” الثقافة” التي تستهلك من خلف شاشة الحاسوب بدلا من أن تستنبط من بطون أمهات الكتب. ويصبح الأمر أصعب حينما يتعلق الأمر بقراءات الشباب الذين تركوها جانبا وأغرقوا أنفسهم في الهواتف الذكية والحواسيب التي تعفيهم عناء قراءة مؤلف. لذلك يشتكي اليوم الكتاب والمؤلفون من بوار سلعتهم. وقد تكون هذه واحدة، من بين أسباب أخرى، هي التي جعلت المثقف يتراجع خطوات إلى الوراء حيث لم يعد لصوته رجع الصدى، في الوقت الذي كان فيه من ضمن كوكبة المدافعين عن القراءة والإبداع، والمدافعين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي شربها من تلك المؤلفات التي قرأها وتلك التي صاغها شعرا ورواية ودراسات.
في المكتبة الشاطئية للجديدة، حضر الفن أيضا. وعقدت ندوات ولقاءات مفتوحة من سينمائيين ومسرحيين. وبدا أن المكان الذي خصصه المنظمون لهذا الحدث على مقربة من “دوفيل بلاج”، وقد أصبح قبلة للمهتمين بالشأن الثقافي، ولزوار المدينة الذين اكتشفوا مازاغان أخرى تعيش على امتداد فصل الصيف، حرارة الكتابة الإبداع.
الأكيد هو أن تقييم التجربة سيضعنا أمام الأثر الذي تكون قد خلفته. والأكيد أيضا هو أن نشر الثقافة، ونقلها من الصالونات المغلقة والمكيفة، إلى حيث الجمهور على مقربة من مياه الأطلسي، هو مهمة ليست بالسهلة وتحتاج من أصحابها للكثير من الصبر والجلد لكي نجني غدا نتائجها التي لن تكون غير مفيدة. لذلك فعلى الرغم من أن بعض اللقاءات الثقافية لم تعرف حضورا في حجم الحدث، إلا أن الاستمرارية هي التي ستجعل من الفعل الثقافي، ولو كان على شاطئ بحر، خبزا يوميا للمواطن، والشباب على وجه التحديد. وهو فعل يصارع أيضا بقية التمظهرات التي تختار فصل الصيف لكي تنشط وتنشر “ثقافتها” الخاصة. ولذلك كانت المكتبة الشاطئية في مواجهة أكثر من إكراه لتصمد وتعلن عن نفسها، ولكي تقول لزوار الجديدة إن هذه المدينة، التي غزاها البرتغاليون وعشقها الفرنسيون، وسكنها الدكاليون، هي مدينة البحر والسمك، ومدينة تريد أن يكون لها صيت ثقافي في حجم تاريخها. ولا غرابة أن تنجب الجديدة أسماء ثقافية وازنة من حجم عبد الكبير الخطيبي، وإدريس الشرايبي، وفؤاد العروي، الذي احتفى به فرع إتحاد كتاب المغرب بالجديدة في عز هذا الصيف من خلال ندوة ” من المحلية إلى العالمية”.
بقي فقط أن نذكر أن هذا التقليد بدأ ينتشر في عدد من المدن السياحية. كما نجح بعض رواد التخييم في بلادنا في جعل المخيمات الصيفية فرصة للقراءة والثتقيف، الذي ما أحوج شبيبتها إليه.