هل الضريح وسيلة للتعمية و الاستلاب والمحافظة على نفس الكتلة التاريخية؟

2013-10-08T13:26:02+01:00
2013-10-08T17:15:54+01:00
أزمور
8 أكتوبر 2013آخر تحديث : منذ 9 سنوات
هل الضريح وسيلة للتعمية و الاستلاب والمحافظة على نفس الكتلة التاريخية؟

 

يتناول هذا البحث موضوع ”الأولياء والأضرحة” فالأولياء والأضرحة تاريخ له رواسبه الخاصة الراسخة في ذاكرة المجتمع وفي جذوره الضاربة في القدم وحصيلته السلبية والإيجابية في صنع تاريخ القديم والحديث، الضريح لم يكن وليس قبر ولي صالح ولا قبر شيخ ولا قبر شيطان…، لكنه كان مشروعا للسلطة بدأ كفكرة طقوسية واحتفالية فرجوية علمية ثقافية فكرية لها طابع ديني قبل أن يفطن أصحاب السياسة إلى تحويل مجراه وتحوير معناه نحو المستنقع السياسي ونحو لعبة الصراع على السلطة ليتحول إلى ”سحر أبيض” رقى سلالات (ذات أصول عربية) لتتربع على كرسي حكمه ورقى تجمعات إثنية وعرقية بحكم عدد أفرادها وانتسابها التاريخي وشوكة عصبيتها… للضغط والابتزاز… وبنية استحضار هذا البعد ساعة توزيع وتقسيم غنيمة الحكم أو الأحقية في الاستقلال ضمنيا عن الدولة المركزية أو الاحتماء بغية التقرب من دفع الضرائب ورغبة في الحصانة تحت غطاء الدين..
 الإجابة على بعض الإشكالات الزوايا والأضرحة في المجتمعات هل تمثل سلطة دينية أم سياسية؟:

 وما هو موقعها بين الدين و”السلطة”؟

 هل تستمد شرعيتها من نمط الوعي السائد بالمجتمع أم من ارتباطها بالشرعية الدينية للدولة كمساعد وكوسيلة لتحقيق التوازن؟

هل للزاوية والضريح نفس الدور الذي كان لهما في مراحل سابقة من التاريخ ؟

ومن جهة ثانية سنحاول مقاربة ثقافة الزوايا والأضرحة من خلال اعتماد سوسيولوجيا الثقافة وعلم النفس الاجتماعي كإطار نظري لاستنباط نتائج تؤطرها الفرضية التالية:
« الضريح كوسيلة للتعمية والاستلاب والمحافظة على نفس الكتلة التاريخية».
لا تشكل رؤية ضريح ولي أمرا غير عادي فإنما ولى المرء وجهه إلا ويصادف قبة ضريح أو مزار، قصص كثيرة وحكايات حبكت على قدرات هؤلاء الأولياء الخارقة وعن كرامات مازالت حاضرة وفاعلة حتى بعد الممات، ولهذا يقبل الناس على زيارة أضرحة هؤلاء وعلى قدر أهمية صاحب الضريح يكون البناء وشكله من حيث السعة والكبر وفنون الزينة التبرك بالولي.
زيارة الأضرحة ممارسة دينية راسخة فيالجتمع:
طقوس زيارة الضريح  كما لدى غالبية الأضرحة تشمل قراءة بعض آيات القرآن الكريم وذكر بعض الأدعية ثم الطلب من الله ومتوسلين بالرسول الكريم وصاحب هذا القبر لقضاء حاجياتتهم وهنا يظهر الفرق بين المسجد والزاوية، إن المسجد هو مكان عام يدخله كل المسلمين ولا يمكن للمسلم أن يقوم بالأذكار بصفة جهرية كي لا يزعج باقي المصلين فلهذا أسست الزوايا ، فالزوايا أسست للقيام بالأفكار الخاصة بأصحاب الطرق( التصوف) والزائر يلجأ لهذا الضريح بغية قضاء المصالح الاجتماعية كالزواج وطلب الإبن الذكر… أوطبية كالشفاء من بعض الأمراض بالبرص ( حيث يغسل المريض بتراب الضريح)… أو اقتصادية لتيسير العمل والتجارة والربح… أو نفسية كالوسواس والاكتئاب وعدم الراحة النفسية إضافة إلى الحمق والهلوسة وبعض ضحايا المخدرات… أو فقط بغرض السياسة وهناك من يعتبر هذه الزيارة تقليدا عن آبائهم ومحافظة على التراث الشعبي والمعتقدات الشعبية…

 الضريح بين الدين والسياسة.

الضريح هو مؤسسة وجيش حقيقي مساعد في الحكم وفي الوصول للحكم وفي تمرير خطابات السلطة ورسائلها وتأدية وظيفة للنظام القائم بالاستمرار في الحكم.
نحن لن نساهم في إعادة تبرير ووجود الأضرحة وإنتاج سلعة التخلف والمساهمة في منح ” تزكية ذهبية” للأضرحة وتعليق أوسمة سامية على مؤسسة تغلغل داخلها مجموعة من معوقات تنميتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والغايات المنشودة من رقينا الحضاري وصارت مساهما مباشرا ومحبطا في إنتاج التخلف وسلعه وشتى منتجاته ولكنها قراءة مضمونة النتائج للإرتقاء بالإنسان من خلال مدحه التساؤل عن شرعية وجود هاته الأضرحة والسؤال هو مفتوح على مصراعيه من هؤلاء؟

 وكيف نحول هذه الأضرحة من طاقة سلبية تساهم في تكريس القهر والخرافة والجهل قد تعيش اليوم خارج اهتمام الإنسان أو حاضرة بقوة في بعض الجهات ضمن مصادر القرار الروحي وضمن الاعتبارت القبلية التي تأخذها السلطةبعين الاعتبار أو ضمن أجندة الإنسان المقهور كأماكن للعلاج من الأمراض النفسية أو وسيط لقضاء الحاجات وتحقيق الرغبات ورفع المطالب الاجتماعية وغيرها من الأمنيات..
فالولي الصالح ” الذي يرقد في ضريحه” لا يشكل لدى الإنسان نموذجا يقتدى به ولكنه بطل خارق وأسطوري إلى درجة منحه صفة الوسيط المباشر من بين الإنسان والسماء وليست غريبة تلك الطلبات الموضوعة على مكتب ”الولي الصالح” كطلب مساعدة عينية أو رزق أو تيسير بيع وشراء أرض أو طلب الذكر دون الأنثى أو لعلاجه من العقم. لقد شكلت فترات تاريخية هامة إشكالية مباشرة للإنسان على الأضرحة وساهمت السلطة المـحلية من خلال إصدار ”صكوك توقير” لتلك الأضرحة والعمل على منحها الهيبة والتبجيل والحضور المهيب القوي في وعي الإنسان وإقامة الاحتفالات اللائقة بها ناهيك عن ممثليه من قياد الذين برعوا في تحويل الأضرحة إلى أدوات مسيرة ومساعدة ومسلمة لعملية التسييس و السياسة,.
الضريح يجر معه التاريخ والقبيلة والدين والولاية الصالحة والعادات والتقاليد والشخصية الذاتية والمعنوية للشخص وقد ساعد في الاستقرار واستثاب الأمن للتجسس حينا… وفي منح من يدور في فلكها من الأسر والقبائل والعائلات والحاشية شرعية الاستفراد بالغنائم والخيرات في مقابل تقديم خدمات  للسلطة  ولا يمكن لمن يريد إنجاز دراسات سوسيولوجية وسيكولوجية واقتصادية دون استحضار هذا المعطى في حياة الإنسان الذي كان ”فكرة تلاميذ كرسوا” من خلاله مبدأ لعبة السلطة ولعبة حاشيتها ولعبة عائلات ولعبة أعداء وما خفي من الأعراض كان أعظم ولم تتردد القوى الاستعمارية وخاصة الاستعمار من التسرب إلى مجتمع من خلال الضريح بعد أن تمكنت من إنجاز مونوغرافيا للمجتمع القبلي وقامت بتحليل وتفكيك تركيبته العقائدية والسيكولوجية والسيسيولوجية… وسهل عليها مهمة الاختراق وتدمير مؤسسة الضريح وتلطيخ ما تبقى من سمعتها بل تفننت الإدارة الاستعمارية في التنظير للضريح وفي توظيفه لتخريب الذاكرة الجتمعتية ولتدسيس القهر في نفسية الإنسان ليخرج الضريح من مفهومه الطقوسي التكريمي الاحتفالي القديم إلى لعبة سلطة ولعبة ”قهر سلطوي” للوصول إلى هاته السلطة نفسها ولم يكن فيها الإنسان المقهور إلا الضحية والمطية والوسيلة وكم منهم ضحية الصراعات والتطاحنات على الأضرحة وكم منهم تم نحرهم على أعتاب تلك الأضرحة وقد شكل هذا الإنسان المقهور طوال التاريخ وطوال التطاحنات على السلطة الرافد والمنبع من خلاله يقوم الشيخ أو العالم أو الولي الصالح أو حتى الذكي الزئبقي أو المستعمر لاستغلال هـذا المنجم والتحكـم ببراعة في تدبيره وتسييجه ولم يكن يوما هذا الإنسان المستلب مصب حدوث التغيير وطلبه. وإنما كانت مزايدات دينية وسياسية تحت محاربة الفساد والسلطة الجائرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يكن احد يريد ( بعد أن زاغت هذه المؤسسة عن دورها النبيل). أن يرقى من خلالها ”الكائن” وكان الدافع إجراميا محضا للإبقاء على لعبة المصالح وعلى توازنات الأسر الحاكمة، وكان تحريك هذا الإنسان المقهور تحريكا متحكما فيه بدافع الجهاد حينا وبدافع الولاء للسلطة وإن كان ساعتها هؤلاء عموما يصبحون مع من أصبح ويمسون مع من أمسى وإنما يوظفون الأضرحة ومن خلال التاريخ والدين والقبيلة والولاية الصالحة في الحصول على منافع يغنم من خلال هؤلاء ” الموالون” على رضى وعطف السلطة وعلى صك أبيض للتحرك بحرية في استعباد رعياه المقهورين وجز صوفي القطيع وحلب بقراته وذبح كباشه السمان أو في أحيان أخرى تفجير هاته القنبلة في وجه السلطة ولن نعرج لأن التاريخ حافل بالنماذج ومشوق في هذا الشأن ولم ينطبق المثل المغربي مطلقا على هؤلاء الذين حرفوا مؤسسة الضريح من مؤسسة منتجة لعقد اجتماعي وثقافي وروحي واقتصادي محلي ووطني وامن وسلام مغربي ووقاية للمجتمع المغربي من العنف والتطرف الديني ومؤسسة احتفالية فرجوية إلى مؤسسة سياسية يوظف فيها الحق بهدف إحقاق الباطل.

وظيفة الضريح.
مؤسسة الضريح كمؤسسة اجتماعية:
ظلت الأضرحة مؤسسة اجتماعية ولم يفسدها إلا تدخل السلطة وممثلوه والقبائل وحتى مؤسسة الزوايا وجميع من حول الوصول إلى السلطة وظفها سياسيا فالاحتفال بالذكرى السنوية للرجل الصالح كان مناسبة للصدقة والزكاة ومناسبة اجتماعية للتضامن والزيارة والتراحم ومناسبة للزواج أيضا ومناسبة لتدبير وتصريف الخلافات والأحقاد والفتن ومناسبة عائلية على اعتبار أن اعنف النزاعات غالبا ما تكون العلاقة العائلية والعشائرية والقبلية حاضرة فيها بسبب الأرض أو بسبب الجوار أو بسبب النساء…
فالضريح يضم مجموعة من الأفراد والجماعات المتمثلة في الزوار الدائمين وأحفاد هذا الولي (” الشرفة”) يرأسهم ”المقدم” حيث تجمع بينهم علاقات اجتماعية وهذه الفئة الاجتماعية ملزمة بالحفاظ على صيرورة هذا الضريح والالتزام كذلك بالأمور الدينية كفظ القرآن والتفسير وحفظ الأدعية إضافة إلى الحفاظ على المكان. الضريح كمـؤسسة سياسية:
هنا قد نفاجأ من أن هاته الأضرحة هي الفيلق الثاني للحكم في المجتمعات  وقوات مسلحة برتب مختلفة تساهم في الحماية المباشرة للسلطة وتثبيت دعائم سلطتها وشيء ما خفقت قوة حضور الأضرحة وأصبح قليل منها على الهامش يمثل شيئا مجهولا لا أهمية له في المكان والزمان في حين ما زال الكثير حاضرا وبقوة، وهي وسيلة ضغط سياسي وتوظيف سياسوي من طرف بعض النافدين ورجالاتالسلطة الذي تشكل لهم الأضرحة وسيلة لامتطاء وتحقيق المجد السياسي. ووسيلة لربح أصوات المقهورين في مناطقهم من خلال الاهتمام بالأضرحة والإنفاق عليها وملازمة حضور مواسمها وتقديم الذبائح لها وبالقرب أيضا من مصادر القرار ولفت نظر الحاكم ووضع منطقة ضمن المناطق الواجب أخذها بعين الاعتبار ضمن رسم خريطة التوازنات القبلية والعشائرية للدولة يحضر هذا البعد لدى كثير من السياسيين الذي يبرعون براعة مطلقة في استغلال تاريخ الاحتفال بصاحب الضريح. وهنا لا يعدم أمثال هؤلاء الوسائل للتغلغل في وسط المجتمع المقهور وتقديم أشخاصهم كأبطال قادرين على تغيير الواقع وتمرير خطاباتهم ”أنهم النموذج منبع للرحمة والعطاء دون حدود..
ونحن لن نقف موقفا سلبيا من هاته الأضرحة باعتبارها مستقرة رموز الحضارة وإمكانية  المجتمع الحديثة في القطر تحتفل برموزها وتقديم لهم تماثيل وان الحداثة بمفهومها الواسع لا تتناقض مطلقا مع القداسة الواجبة والتوقير والاحترام لكل من ساهم مساهمة فعالة في تاريخ الشعوب وهاته القداسة لا تعني السلبية وإعادة إنتاج خطاب الماضي المشكوك في نزاهته الذي يبلغه من البهرجة والفجور قرب قبور هؤلاء..
 الضريـح كمـؤسسة ثـقافية:
ساهمت الأضرحة بشكل متميز في صون والحفاظ على التصوف والهندسة المعمارية والزخرفة والخط والقراءة القرآنية المتميزة للقران وغيره ولأجلها أنشأت الأضرحة وانفي نفيا قاطعا أن يكون مهندسو الأضرحة ابتغوا في البداية تحقيق شيء أو افتعال وسيلة ضغط أو بغاية التفاخر بالنسب أو غير ذلك ولكن كل بدعة حسنة معرضة للإغواء والتحريف والزيف وقد بلغت الوقاحة برجال السلطة استغلال الأضرحة للفساد ونشر الرذيلة ولهذا أكثروا في بنائها..
ولم تتردد القبائل التي كانت تطرد صلحائها في المطالبة برفاتهم بعد الوفاة لجلب منافع دنيوية، وهنا بدأ الفساد الحقيقي فأصبحت تجد وليا بضريحين بل وتفننت عبقرية الشعوب في بناء أضرحة لأشخاص مجهولين وقبور فارغة كانوا يدفنون فيها كل نفائس القرية أو القبيلة أو العائلة، ساعة تعرضها للمحن أو درءا لها من أيدي اللصوص والناهبين وبعيدات عن غارات القبائل المجاورة، أو إخفاء لها من عيون السلطة ومفسديها في الأرض وهكذا دواليك… أيضا كانت تنتعش خلال الموسم ”الحلقة” أو المسرح القبلي وهذا الانتعاش يصاحبه إبداع في التأليف والحكي وإنتاج الفرجة، وكانت ”الفروسية” أروع منتوج ثقافي يلازم موسم والضريح من خلال تاريخ انعقاده….
 الضريح كمؤسسة اقتصادية:
شكلت الأضرحة متنفسا للسكان قصد تصريف بضائعهم وممارسة التجارة وقد كان الموسم السنوي للضريح مناسبة اقتصادية هامة تفنن  القوم في الاستعداد لها واليوم لم تعد كذلك بقدر ما أصبحت مناسبة للتسوق والاستهلاك، وقد كانت قبلا مؤسسة منتجة للاقتصاد.
فالقرابين والأشياء الثمينة والعـادية إضـافة إلى الذبيحة والمال تـوفر لمقيمي هذا
الضريح أو داك  وعابر السبيل القوت الكافي لكن قد كان هذا فيما مضى أما الآن فمن الناحية الاقتصادية للولي يعرف تراجعا مستمرا حيث يعتمد أكثر من أربعين شخص ( أحفاد الولي) على إتاوات الزوار.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!