المطبخ الآزموري

2017-06-25T12:09:48+00:00
2017-06-25T15:49:51+00:00
أزمورشهيواتعالم المرأة
25 يونيو 2017آخر تحديث : منذ 3 سنوات
المطبخ الآزموري
رابط مختصر

عن العدد 13 من جريدة أخبار أزمور الجهوية
الدكتور الفاقيد عبد الفتاح
ناقد وباحث في تاريخ المدينة.
1 ـ إضاءة أولى:
يمكن اعتبار المطبخ من أهم العناصر التكوينية للمعطيين الحضاري والثقافي لمجموعة بشرية معينة، بل يمكنه أن يكون متنوعا ومختلفا داخل نفس المجموعة البشرية الواحدة. ويمكننا إرجاع ذلك الاختلاف والغنى على ثلاثة عوامل جوهرية:
1 ـ الاختلاف الجغرافي والطبيعي والعرقي، عوامل تتحكم في أنماط العيش، وتسهم في تنويع العناصر الغذائية التي تناسب الخبرات المعيشية لكل تجمع بشري، وتدخل في تشكيل هوية مطبخه.
2 ـ قدرة المطبخ على الانفتاح أمام المؤثرات الخارجية وتلاقحه مع بعض التفاصيل والتشكيلات الغذائية الواردة من ثقافات أخرى وحضارات غيرية.
3 ـ انفتاح المطبخ على الإبداع، فهو المجال المناسب للتجريب والابتكار والتنويع المستمر، إذ يرتهن للتطورات الصناعية والاقتصادية، إنه يتطور بتطور الإنسان.
تبعا لأهمية المطبخ ولدلالاته الحضارية والرمزية، ارتأينا تقديم لمحة موجزة حول المطبخ الآزموري لتلميع صورة المدينة وتأكيد تميزها الحضاري والثقافي والذوقي أيضا، عناصر تأسست انطلاقا من موقعها الجغرافي، وأصالتها التاريخية القائمة على قاعدة التلاقح بين العديد من الحضارات التي تدخلت في تشكيل معطياتها الثقافية. لكن قبل ذلك لابد من تقديم إضاءات معرفية وإجرائية حول دلالات كلمة “مطبخ” أولا، فماذا يعني هذا اللفظ؟
2 ـ المعنى التداولي لكلمة ” مطبخ”:
تتفق المعاجم العربية حول نفس الدلالات الاستعمالية لكلمة “مطبخ”، فهو اسم مكان أشتق من الفعل ” طبَخَ “، ويشير إلى موضع إعداد الطعام وإنضاجه.
هكذا يكون المطبخ عبارة عن حيز أو مكان مخصص بتهيئة الأكل، غير أن الدلالة الاستعمالية توسعت لتشمل المكان وما يتم إعداده وإنتاجه من عناصر غذائية ومعيشية داخل هذا المكان. ومع مرور الزمن تحول المطبخ إلى صفة طبونيمية حيث أصبحنا نسمع مثلا: المطبخ المغربي، المطبخ الفرنسي(….)أو نسمع المطبخ الفاسي، المطبخ المراكشي، المطبخ السلاوي أو المطبخ الآزموري(…).
3 ـ معطيات حول المطبخ الآزموري:
احتل المطبخ الآزموري، مند قرون، مركز الصدارة بين المدن المغربية العتيقة، مكانة تتأسس على مجموعة من المعطيات نذكر منها المعطيين التاليين:
أ ـ شكلت مدينة آزمور مناط تقاطع العديد من الحضارات بداية مع القرطاجيين والفينيقيين والرومانيين والبرتغاليين والفرنسيين، إضافة إلى نسيجها السكاني المكون من القبائل البربرية والطائفة اليهودية والتجار الفاسيين والنازحين من القبائل الدكالية المتاخمة، أو بعض القبائل البعيدة كالرحامنة وأحمر (توافد سكان تلك القبائل في السبعينات والثمانينات نتيجة توالي سنوات المجاعة)، وقد أسهمت هذه الهجنة غير المتجانسة في غنى وتنويع تشكيلة المطبخ المحلي، كما سنرى ذلك.
ب ـ تعتير مدينة آزمور هبة نهر أم الربيع، إحداثياتها واقعة بين نهر أم الربيع وساحل المحيط الأطلسي، ناهيك عن امتدادها الجغرافي وسط مجموعة من الأراضي المنخفضة والسهلية، معطيات انعكست على نمطها المعيشي وحددت تشكيلة مطبخها المحلي الذي استمد هويته وشهرته من مطبخ السمك، إذ اقترن المطبخ بما يجود به الماء من ثروات حيوانية. إضافة إلى الثروات النباتية التي توفرها السهول والمنخفضات الفلاحية وهي أنماط غذائية طبيعية bio) (.
بناء على ما سبق، يمكن القول إن قائمة عناصر المطبخ الآزموي تتسم بالتنوع والتعدد، تعبر في تفاصيلها وتشكيلاتها عن وعي ثقافي أصيل، وذوق حضاري رفيع ورؤية إبداعية وجمالية من ناحية التقديم والعرض (Dressage)، ويحترم شروط التكامل الغذائي ويراعي الصحة والحمية. ولعل خير ما نستهل به الحديث عن المطبخ المحلي هو مطبخ السمك الأكلة الشهيرة والأثيرة محليا.
4 ـ مطبخ السمك الآزموري:
اشتهرت المدينة بسمك “الشابل”، من فصيلة فيلغاريس (vulgaris)، وهو من أهم الثروات السمكية الناذرة في العالم، وألذها طعما وأغناها بروتينا، ، وقد شكل حوض أم الربيع العش الأثير للتفريخ ولعيش هذه الفصيلة السمكية البحرية، والمسافرة خلال دورتها الطبيعية والفصلية، صعودا ونزولا بين المصب والمنبع، أهلته وفرته إلى جعله أهم عناصر المائدة المحلية، وتقوم مهارات إعداده على شروط منها تشريح الشابل من ناحية ظهر السمكة وإفراغ أمعائها، مع الحفاظ على بيضها، ثم حشوها بالتوابل والفلفل السوداني ووضعها “بالفراح” (طجين ضخم من الطين)، والذي يتم فرش أرضيته بالقصب أو بقطع أواني الطاووس الحُر المكسورة، الجدير بالذكر هو تفضيل الأسر اقتناء أنثى الشابل لأنه أكثر لذة من لحم الذكر، بعد تلك التحضيرات يتم إرسال الفراح إلى فرن الحومة لإنضاجه ليلا على نار هادئة، وتقديمه على مائدة الغذاء في اليوم الموالي، إذ يشترط أكله باردا.
نشير إلى أن أصالة الذوق المحلي وثقافته الغذائية، تؤكدها دائرة الجدل والخلاف بين ساكنة حي الملاح وساكنة المدينة العتيقة، (رغم تقاربهما وجوارهما)، حول مهارات ومكونات طبخ سمك الشابل، إذ تتهم الطائفة الأولى الثانية بالبداوة والتخلف لأنها تخلل طعم السمك بإضافة حبات الطماطم، وتبرر الطائفة الثانية ذلك بأن حموضة الطماطم تزيد من لذة الطعم ونكهة التذوق.
إضافة إلى مطبخ الشابل، عرفت مدينة آزمور العديد من الأنواع الخاصة بالطجين منها سمك البوري (بوشفة )، والكوربين (خاصة القرب النحاسي)، وسارغانة التي كان يجود بها النهر بشكل منقطع النظير، وبولداغ، والصول، والشرغو، والصيغاغ الذي يتم إنضاجه ليلا أيضا (وغيرها من الأنواع التي كانت تؤثث المطبخ الآزموري). كما برعت الآزمورية في إعداد أسياخ المشوي بلحم الصنور، والنون، والمرين (الحنكليس)،وفي إعداد الكسكس بالشابل أو الصيغاغ.
ضمن نفس السياق، نشير إلى مطبخ السمك اليهودي الآزموري الذي كان يهتم بسمك الشابل، والسيفرون، والكَنزرة(سمك يعيش بالمياه الحلوة)، حيث يتم يخضع لحمها للتجفيف والطبخ مع الجزر أو حبات البطاطس، أو يخضع للتمليح والتجفيف قصد تحويله إلى قديد.
ومن المهارات التي استعارها المطبخ المحلي من الجنود البرتغاليين نجد ” المْخلّلّ” ويتم إعداده عن طريق تجفيف شرائح السمك وخاصة السمك الصغير المسمى(les anchois)، وتقديمه مع السلطة.
الملاحظ أن الثروة السمكية بآزمور كانت من الغنى والتنوع ما يدفع بها إلى أن تكون معيارا للتباهي بين الأسر، وذلك عبر اختيار طبيعة الأسماك وحجمها وقت الفرح أو الوليمة أو النزاهة، بل كانت العائلات العريقة تمتنع عن شراء السردين أو ماكرو ، وتفضل في المقابل الأنواع المذكورة سالفا. ويخلو المطبخ المحلي من أثر السمك خلال شهر رمضان، بدعوى أن السمك يكون سببا في شدة العطش.
5 ـ المطبخ النباتي:
نقصد المطبخ الذي تقوم مكوناته على أساس عناصر نباتية، وتأتي في مقدمة تلك العناصر الرفيسة (الثريد) ويتم إعدادها من الرغيف والمرق والدجاج البلدي والحلبة والعدس، وتقدم كوجبة رئيسة للضيوف، أو للمرأة النفساء أو في احتفالات العقيقة. ويأتي الكسكس بسبع خضاري للاحتفال بفاتح محرم أو حلول السنة الفلاحية الجديدة، أما وجبة الكسكس، بصفة عامة، فقد دأبت الأسر المحلية على إعداده كل يوم جمعة. ويتميز شهر رمضان بإعداد “البندق” (الزميطة) وهو من أهم مكونات المطبخ البدوي الدكالي، ويُعد من طحين الشعير أو القمح الذي يُخلط بطحين اللوز الحمص والسمسم والنافع وزريعة الكتان ويتم غطسه في العسل، ومن أهم عناصر المطبخ الآزموري أيضا نذكر بركوكش وفتات الشطبة والرجلة والخُبيزة (البقولة)، وباداز( كسكس الذرى) و الكسكس الأحمر (كسكس الشعير)، وطجين السفرجل أو التفاح أو الإجاص، والكرعين التي يكون إعدادها بالحمص ويتم إنضاجها على الفحم ليلا، أما المطبخ اليهودي فيسميها السخينة وتعدها الأسر اليهودية ليلة بوم السبت، وتكون بالزبيب والبصل والهريسة، وترسل إلى فرن الحومة، لأن الطقوس الدينية اليهودية تمنعهم من إشعال الموقد أو الكانون. وكما أجادت المرأة المغربية في إعداد الرغايف والمسمن والبغرير، برعت المرأة اليهودية في إعداد الرقاق والمطلوع والهريسة والتراقد والتحيْمضات. وللإشارة فقد تواجدت العديد من الأسر ذات الأصول المكناسية والفاسية والتي أخذ عنها المطبخ الآزموري العديد من التفاصيل الغذائية من مثل كعب غزال؛ والسفة العادية أو المهدومة (يُدفن وسطها الدجاج)؛ والمروزية؛ والخليع؛ وغْريْبة الهبلة؛ و بسطيلة؛ والمحنشة؛ والطجين بالقنّارية (الخرشوف البلدي)، وسلّو (السفوف)؛ الذي عوّض البندق ودخل مع المطبخ اليهودي والفاسي خاصة.ويشترك المطبخ المحلي مع المطبخ المسفيوي (نسبة إلى آسفي)، في العديد من الأنماط الغذائية منها الكُعيكعات والقريشلات (الكَرص).
لا يمكن إغفال المطبخ المحلي المستمد من المطبخ البربري، فقد دأب المطبخ المحلي على إعداد الحساء التقليدي (الحْريرة)، ثم انتقل إلى الحساء البربري (أسكيف)، المكون من طحين الشعير أو الدرى. كما تعزز مطبخنا بخبز “تفرنونت” (يُنضج على حجر الفرن الساخن)، وطهي “تشاتين” (الدجاج البلدي وطحين الشعير المبلل بخلّ التفاح)، وتحتفل العديد من الأسر الآزمورية برأس السنة البربرية وذلك بإعداد وجبة “التًّكلا” حيث يتم إنضاج الشعير وتقديمه بالسمن أو العسل حسب الحاجة.
ولا يفوتنا التذكير بعنصر الطنجية الآزمورية التي يتم إعدادها باللحم والسمن البلدي والزعفران شعرة وبتوابل وبهارات طبيعية، ويتم إنضاجها عبر طمرها تحت رماد الفرن، وتعد من أجل “النْزَاهة”، التي تنظمها بعض الأسر أو بعض الأصدقاء بالتوجه إلى ضفاف أم الربيع أو إلى بعض “العْراصي” المجاورة أو إلى منتجعات “مهيولة” أو “الدّخْلة” أو “الشّعابْ”.
6 ـ عود على بدء:
ختاما، نقول إن أغلب العناصر الغذائية التي تدخلت في تشكيل المطبخ الآزموري اختفت لأسباب عديدة، بل إن بعضا منها زالت آثاره من سجل المطبخ المحلي بل ومن الذاكرة الشفوية أيضا. وقد عرف المطبخ المحلي مجموعة من التحولات بفعل هيمنة المطابخ العصرية، وانتشار محلات بيع الأكلات السريعة، وهيمنة المد الإعلامي والإشهاري الذي يروج للعديد من المنتوجات الغذائية المصنعة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!